المشهد في مجرى الصراع متداخل بين الوطني والقومي والدولي ايجابا وسلبا عملا بطبيعة وخصوصية الصراع الدائر بين المشروع الوطني والقومي العربي نحو فلسطين ديمقراطية موحدة على مراحل بدءا بدولة مستقلة بحدود 4 يونيو 67 عاصمتها القدس, وعودة اللاجئين عملا بالقرار الدولي 194 وبين الدولة العبرية والمشروع التوسعي الاسرائيلي الصهيوني على مساحة فلسطين التاريخية واجزاء من الجولان وسيناء وجنوب لبنان مستندا الى قوة دولة العدو الاقليمية وعلى الاراضي المحتلة بعدوان 67 وما تلاه من تداعيات, وبين التحالفات الاقليمية ـ الدولية على جانبي المتراس من الصراع بين المعسكر الاستعماري الامبريالي (مساندة المشروع الصهيوني, قيام الدولة العبرية, العدوان الثلاثي ,56 عدوان ,67 وقائع ونتائج وتداعيات حرب اكتوبر ,73 احتلال جنوب لبنان ,78 الغزو الشامل للبنان 82 والتداعيات..), وبين المعسكر الاشتراكي والحركة الثورية العالمية وقوى السلام والديمقراطية في اوروبا والامريكيتين ومسار التحالف مع حركة التحرر والتقدم العربية, مع شعب فلسطين والثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية وخاصة بعد البرنامج السياسي الجديد يونيو ,74 شبكة العلاقات والتحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية مع العرب دولا وشعوبا وأحزابا وتراكماتها... في مسار الصراع هذا تداعت الاحداث بالحروب الأهلية والقطرية ـ القطرية (العراق ـ سوريا قبل توقيع الميثاق القومي 78 وبعده, الصحراء الغربية وتداخلاتها المغربية ـ الجزائرية), الصراعات السياسية الدينية والطائفية المسلحة الداخلية (الجزائر, مصر وغيرها), الحروب على وبين ضفتي الخليج العربي بالحرب العراقية ـ الايرانية وتداخلاتها الخليجية والامريكية والاوروبية وحرب الخليج العربية ـ العربية الثانية وتداخلاتها الامريكية خاصة والائتلاف الغربي ـ الدولي الواسع في صراع حرب النفط والاطماع التوسعية الاقليمية. في مجرى الصراع انصبت على الثورة الفلسطينية سلسلة من حروب الابادة الكبيرة والصغيرة, الاسرائيلية الصهيونية, الاقليمية الحاكمة العربية وما ترتب عليها من انقلابات سياسية في فك واعادة تركيب خارطة الثورة ومنظمة التحرير وانشطارها ومحاولات تقسيمها واقتسامها بين المحاور الاقليمية العربية وتحالفاتها في الخارطة الفلسطينية, وعلى هذا كله في المشهد والتداعيات بدأت عمليات التشظي السياسي والانقسامات في الحالة الفلسطينية, للارتداد على البرامج الوطنية المشتركة وتمزيق الوحدة الوطنية للشعب وحركته الائتلافية في منظمة التحرير, وترافق مع هذا عمليات الهجوم المحورية الاقليمية العربية لجر منظمة التحرير وكلما كان هذا غير ممكن الاندفاع لجر هذا الجناح او ذاك, فصيلا او فصائل للخروج على المشترك والتراجع باتجاه المشاريع الاقليمية ـ الدولية للقضايا الرئيسية في الصراع العربي ـ الاسرائيلي الصهيوني وخصوصا القضية المركزية (فلسطين الشعب والوطن والحقوق) , بدأت التداعيات في 74 ـ 75 بانتظار مؤتمر جنيف بعد حرب اكتوبر 73 وتفاقمت تباعا منذ بدء رحلة تمزق تحالف حرب تشرين وخاصة بين مصر وسوريا ومنظمة التحرير, واشتدت الحروب بالغزو الشامل للبنان وتداعياتها العربية ـ الفلسطينية (مشروع ريجين, انشقاق فتح والاقتتال وحروب المخيمات, اتفاق عمان) كما تركزت الضغوط لفرط ائتلاف منظمة التحرير ودفعها للانقلابات السياسية على البرنامج الوطني المشترك وبرنامج القمم العربية القومي المشترك, واخذت الضغوط بعدا مصيريا خطيرا بعد اندلاع الانتفاضة الكبرى 87 ومشاهد الضغط السري وشبه السري منذ مطلع 88 ومع كل هذا صمدت المعادلة الفلسطينية ـ الفلسطينية, ولم يتمكن جناح اليمين ويمين الوسط الانعزالي في المنظمة ولا جناح اليمين القومي الانقلابي اسير الشعارات اللفظية الثورية, العبثية والعدمية والفاقد لاي برنامج سياسي ملموس من تحطيم توازن المعادلة الفلسطينية ـ الفلسطينية في منظمة التحرير ولا من شرذمة الحركة الفلسطينية لتعود مرة اخرى الى حركة (جنود الامام البدر) في خدمة المحاور الاقليمية العربية وتماسكت قرارات مجالسنا الوطنية وصولا الى قرارات سبتمبر 91 في الجزائر وتونس التي تستند الى قرارات الوحدة الوطنية والقمم العربية والشرعية الدولية (راجع كتاب حواتمة (اوسلو والسلام الآخر المتوازن) يكشف الاسرار لاول مرة ترى النور بالوقائع والاسماء والوثائق), ولكن انفجار حرب الخليج الثانية ادى الى انهيار التضامن العربي ودمار العراق وشطبه من معادلة التوازن العربي ـ العربي, وانخراط الحالة العربية بالصراعات العربية ـ العربية, ومن هنا وصلت واشنطن مع العواصم العربية المشرقية الى اوراق مؤتمر مدريد بالمفاوضات الثنائية المنفصلة (كل واحد يقلع شوكه بيده), والتي لا رابط سياسي ولا قانوني فيها بين مراحل ومسارات التفاوض العربية ـ الاسرائيلية, وعلى اكتاف المعادلة العربية ـ العربية المتدهورة تحت دمار (عاصفة الصحراء) تم الانقلاب السياسي الآخر في منظمة التحرير, وحملت العواصم العربية المشرقية على اكتافها اليمين ويمين الوسط في منظمة التحرير الى مدريد مفاوضات واشنطن, وطبخة اوسلو الظالمة حيث كان المشهد العربي الحاكم ومازال بين داعم ومؤيد ومساند لاتفاقات اوسلو وتداعياتها, وبين رافض نظري منع الاحجام المسبق عن معارضة اي اتفاق بين الدولة العبرية وسلطة اوسلو الفلسطينية, او والاكتفاء بالمعارضة السياسية دون اية ممارسة عملية ضد اوسلو الواي والواي 2, فالعلاقات بين المسارات العربية تفككت قبل الوصول الى مؤتمر مدريد وبعلم جميع الاطراف, فالمفاوضات ثنائية مباشرة ولا رابط بين مراحل التفاوض ولا تزامن بين المسارات, اما النوايا بالتجاور والتنسيق فتطايرت في الهواء ولم تصمد للوقائع التي انتجت تركيب الاوراق الثنائية التفاوضية ورقع مربعات الشطرنج او طاولة الزهر في ادارة واداء المفاوضات على كل من المسارات (راجع كتاب حواتمة: اوسلو والسلام الآخر المتوازن). هكذا كانت فلسطين, فهي البداية في ملفات المجتمع الدولي كنتاج صاف للحرب العالمية الثانية وصراع الاستراتيجيات والمصالح الكبرى على عالم المعمورة وخيرات النفط ومواقع قلب العالم والاهم والافدح نتاج حالة التدهور في الخارطة الحاكمة الفلسطينية والعربية الاقليمية, فكانت بلادنا هي الضحية وهي الثمن, وبها فتح تاريخ الاسرة الدولية واوراق ما بعد الحرب الكونية الثانية وفي ظل تداعيات الحرب الباردة جرحا نازفا مستمرا, وويلات تتراكم كل يوم, وجموعا من شعب اللاجئين الذين طال لجوؤهم منذ اكثر من (52) عاما حى الآن ليصبحوا اقدم اللاجئين في العالم وتحت رعاية منظمة الامم المتحدة للاغاثة (الاونروا). بملفات فلسطين الساخنة التي تجاوزت اية قضية في العالم من حيث حضورها في المجتمع الدولي وبأوراق تتكدس كل يوم داخل هيئات الاسرة الدولية نعبر نحو الالفية الثالثة, الفية النهوض المتجدد لانتصار قضايا الشعوب والتحرر الوطني والديمقراطية وحقوق الانسان. ان بكائيات حقوق الانسان على يد الولايات المتحدة التي تقدم نفسها عظيمة الكون وحامي حماه تكشف مدى الزيف والخداع الذي مورس ويمارس ضد الشعوب المقهورة, خاصة الشعب الفلسطيني, فمعزوفة حقوق الانسان تطال مواقع (كوسوفو. تيمور..) ونحن مع شعوب هذه البلدان المقهورة للدفاع عن حقوقها بينما لا تطال المعزوفة الأمريكية فلسطين وشعبها, كما ان عمليات القصف الجوي وتحشيد الاساطيل تطال (يوغسلافيا والعراق) ولاتطال (الدولة الاستيطانية العبرية التوسعية) انها سياسة المعايير المتعددة, سياسة المصالح والاستراتيجيات الكبرى للولايات المتحدة والنفاق الدولي على ابواب الالفية الثالثة. فمحصلة صراع الخمسين عاما الاخيرة دارت على الارض بين شعوب تريد انتزاع حقوقها, بين امل وحق وعدالة وحلم مشروع لشعب فلسطين المكافح ومشروع نهضوي قومي لشعوب امتنا العربية, وبين مشروع توسعي بانياب حادة وبخريطة انظمة طبقية اقليمية متداعية ومهزومة لم تستطع ان تنهض او ان تتماشى مع حركة الشارع الشعبي, انها حصاد هزيمة انظمة تلونت وتنوعت بين انظمة العسكر تارة وبين انظمة فردية تجمع مواصفات الاستبدادية مهمشة دور شعوبنا سنوات الصراع الحاسم. وبدون تقديم الصورة بشكل سوداوي, نعبر العام الجديد بوابة الالفية الثالثة, بثقة كاملة بأن المشروع الصهيوني التوسعي لابد وسيتوقف عند حدود لن تتسع له لاحقا, لأن الشعوب تتحسس مصالحها كل يوم, وان غلبت عليها عوامل الضعف والوهن في واقع مفروض, فهي عوامل متحركة لا تبقى ثابتة, لتبدأ من جديد عمليات الانبعاث والنهوض الوطني ودفاع الشعوب عن ذاتها ومصالحها وبقائها وحماية نفسها وثرواتها وفتح طريقها نحو الشمس بالديمقراطية التعددية وحقوق الانسان والمواطنية القائمة على المساواة دون تمييز بالجنس والاثنية والدين والطائفية والمذاهب. والانتقال الى عالم التداول السلمي للسلطة حتى تقرر الشعوب مصيرها بنفسها دون وصاية الاستبداد الشرقي, وعليه تجمع الشعوب قواها. ان شعبنا الفلسطيني كجزء من المنطقة ومن شعوبها يعبر الالفية الثالثة مشدودا الى حقه التاريخي وحقه الطبيعي والاخلاقي والانساني للحياة تحت عين الشمس اسوة بجميع شعوب الارض. ومشدودا الى تراثه الوطني القومي والكفاحي بالعمل المتواصل من اجل انجاز حقوقه الوطنية. فالآن على ارض فلسطين التاريخية ما ينوف على اربعة ملايين من ابنائها (3 ملايين في الضفة والقدس والقطاع + 1 مليون في مناطق 1948). وفي الشتات المحيط بفلسطين يعيش الملايين الاربعة متمسكين بحقهم في العودة الى ارض الوطن, وفي اطار يجب ان يبقى ويستمر وتعاد الحياة اليه بوحدة وطنية جامعة تحت قيادة منظمة التحرير الائتلافية التي وحدت نضال شعبنا وقدمت شخصيته الوطنية الى العالم باسره. فالنضال الان, يدور في الصراع على الارض ليس فقط فوق الارض الفلسطينية في الضفة والقدس والقطاع بل وعلى امتداد كامل خارطة الشرق الاوسط بين المشروع الوطني التحرري لاستقلال شعب فلسطين والمحاصرة القومية للتداعيات العربية وبين مشروع التمدد الاسرائيلي بعضلات جديدة وطموح صهيوني لا يتوقف لدثر المشروع الوطني الفلسطيني ووأد الهوية الوطنية والقومية لشعبنا في فلسطين والشتات. اننا نعبر الالفية الثالثة ونحن موجودون على الارض في فلسطين, نشكل بنضال شعبنا المتواصل رويدا رويدا الواقع الجغرافي السياسي لمشروع الكيانية الوطنية القومية والدولة الفلسطينية المستقلة نقيض المساعي الصهيونية الاسرائىلية لطمس هوية شعبنا وافنائه من الوجود كهوية مستقلة واعتباره (الشعب الفائض) في الشرق الاوسط طريقه التبدد والاندماج بديلا عن حقه الانساني بتقرير المصير والاستقلال على ارضه الوطنية, فنحن الشعب العربي الوحيد الذي لم ينجز بعد تحرره واستقلاله الوطني. وفي قلب هذا المعمعان من التحدي الكبير, نواجه ايضا تداعيات تسوية اللاتوازن الامريكية الاسرائىلية, ونواجه كشعب واحد قضايا واستحقاقات كبرى قادمة تتطلب منا جميعا اعادة الحياة والروح الى الوحدة الوطنية التي تشكل البوتقة الواحدة لشعبنا الموحد في فلسطين والشتات مع ما توفره من سلاح لا يثلم في سياق معركة المواجهة ضد الغزو الاستيطاني الكولونيالي الاسرائىلي الصهيوني. ان تجربة صلاح الدين الايوبي وعبدالناصر الكبير باستراتيجية المراحل ضد الاستعمار الاستيطاني الاقطاعي الاوروبي وممالكه على امتداد بلاد الشام, وعلى يد عبدالناصر ونضال شعوبنا لنهضة مصر والمشروع القومي الوحدوي العصري ومحاصرة المشروع التوسعي الصهيوني بدءا بالصمود بوجه العدوان الثلاثي عام 56, والمبادرة ببناء نواة جيش التحرير الفلسطيني, ومبادرة بناء منظمة التحرير في قمة الاسكندرية العربية (1964) الى التماسك بوجه هزيمة يونيو 67 بحرب الاستنزاف والتحضير لحرب عبور السويس وتحرير سيناء والقبول بمبادرة روجرز في يوليو 1970, وتجربة حركات التحرر الوطني في العالم باستراتيجية المراحل, بل وتجربة شعب فلسطين وعدونا التوسعي الصهيوني بصراع المراحل.. كلها تفرض علينا استخلاص دروس استراتيجية المراحل وصولا للنصر القادم مهما طال, فآخر الليل نهار. لذا نسير بالحوارات الوطنية الفلسطينية, لنصبح على مساحة العام الجديد من الالفية الثالثة في اطار مرجعية واحدة ائتلافية على قاعدة برنامج قواسم مشتركة, تقود شعبنا نحو سلام التوازن القائم على اساس المرجعية الدولية وقرارات الامم المتحدة التي تكدست اكواما اكواما بفعل النضال الوطني والقومي والاممي مع جبهة اعدائها على مساحة النصف الثاني من القرن العشرين, بما في ذلك ضرورة استحضار القرار (194) الخاص بحق اللاجئين في العودة وتنفيذ الشق الاخر من القرار الدولي (181) الخاص ببناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. هكذا تبقى فلسطين نقترب منها رويدا رويدا, كما كنا في السابق العامل الرئيسي والعقبة الكأداء في تعطيل اية حلول او تسويات لا تنسجم مع حركة شعبنا وامتنا التحررية العصرية ومع المرجعية الدولية ودون سقف قراراتها. ان مستقبل التسوية مع عبور الالفية الثالثة يتحدد بنجاح العمل المشترك الفلسطيني الموحد في اطار منظمة التحرير الائتلافية باعتبارها جبهة وطنية عريضة لكل طبقات وتيارات شعبنا الوطنية, وبالعمل العربي المشترك لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية واعادة فلسطين الى الخارطة الدولية كدولة مستقلة وعودة اللاجئين الى ارض وطنهم ليصبح الحلم قريبا من المنال, لأنه حلم مشروع يقوم على اعمدة الحق الوطني والتاريخي والطبيعي والاخلاقي.