(الاغاثة) أحدث أنواع التجارة العالمية. وهذا وجه بشع آخر للمنظمات (الخيرية) الغربية التي تطلق على نفسها منظمات غير حكومية. وباستغلال الكوارث الانسانية في العالم الثالث لجمع الأموال فإنها تستخدم بعض هذه الاموال نفسها في ممارسة نشاط تجاري بهدف تحقيق ارباح . بعض المنظمات تتحالف مع شركات غربية كبرى.. والبعض الاخر لها فروعها التجارية الخاصة بها, وما يتبع هذه الفروع من اقسام للدعاية والاعلان التجاري ووسائل التمويل واستراتيجيات الاستثمار. ومع مرور الزمن اخذت تنشأ منافسات شرسة بين المنظمات نفسها في اجتذاب التبرعات وإثبات الوجود في (سوق الاغاثة) من اجل اجتذاب المزيد ثم المزيد من التبرعات, ولذا فانها تصرف أموالاً طائلة تحسب بملايين الدولارات على الاعلان والعلاقات العامة والتسويق بهدف (تحسين الصورة الذاتية) . وعلى هذا الصعيد التنافسي بلغت السفالة بقادة المنظمات اللجوء الى المبالغة والتضخيم, إما في حجم الكوارث التي تحدث او حجم النشاط (الانساني) . ووقعت فضائح. ففي عام 1994 عندما افرزت الحرب الاهلية في الكونغو ورواندا تشريد اعداد كبيرة من اللاجئين هرعت الفرق التلفزيونية التابعة لعدد من منظمات (الاغاثة) الى المنطقة لتصوير مشاهد وثائقية تتضمن مقابلات وتعليقات لشرح اوضاع الكارثة. والفضيحة التي اكتشفتها فرق الامم المتحدة لاحقا هي ان الافلام (الوثائقية) التي صورت وعرضت تلفزيونيا على مستوى عالمي كانت تحفل بمبالغات.. بل واكاذيب صريحة في بعض الحالات. والغرض واضح: فكلما كانت صورة الكارثة حافلة بالدراما واللقطات المثيرة المصحوبة بتعليقات ومقابلات مع (خبراء) كلما ازدادت التبرعات المتوقعة الى جمعيات (الاغاثة) . وفي العام الماضي سحبت المنظمات بعض فرقها العاملة في مناطق الحروب والمجاعات في افريقيا الى كوسوفا لا لأن الحاجة اليها في كوسوفا كانت اعظم او اكثر استعجالا وإنما لأن كاميرات التلفزيون العالمية كانت آنذاك مسلطة على المسرح الكوسوفي اكثر من غيره. وهناك صنف من المنظمات الغربية لا تشتغل بشئون الكوارث والاغاثة وانما تتخصص في اجندة سياسية او اجتماعية. لكن ميدان نشاطها هو ايضا العالم الثالث. وتتعرض هذه المنظمات لانتقادات متصاعدة داخل الدول الغربية نفسها من حيث ان الهدف الاعظم الذي تتبناه هو نشر القيم الاجتماعية والأخلاقية الغربية في مجتمعات العالم الثالث على غرار ما كانت تفعل جمعيات التبشير المسيحية الغربية في القرن التاسع عشر في افريقيا وآسيا, وعلى سبيل المثال تتبنى هذه المنظمات (قضية المرأة) في المجتمعات العربية فتعقد ندوات يرافقها زخم اعلامي واسع النطاق محورها محاولة فرض المفهوم الغربي لحرية المرأة مثلا.. مما يتناقض مع قيم محلية تستند الى مرجعية الشريعة الاسلامية. وفي هذا السياق لا يرى قادة هذه المنظمات غضاضة في اللجوء الى المبالغة او الكذب انطلاقا من اجندة سياسية او اجتماعية مسبقة. وقد رأينا كيف لجأت منظمة (تضامن) المسيحية البريطانية الى تلفيق سيناريوهات تلفزيونية وصحفية ضمن حملة شاملة (لاثبات) ان تجارة الرقيق لاتزال تمارس في السودان برعاية وتشجيع النظام الحاكم. والأجندة السياسية المسبقة هي تصميم على تشويه صورة النظام الحاكم من منطلق صليبي. وهكذا أينما نظرت في أنشطة وأهداف المنظمات الغربية (غير الحكومية) فإنك تكتشف ان خطورتها تكمن في أنها تعمل بغطاء (انساني) . ورغم انها أدوات طيعة في أيدي الحكومات الغربية وتلتزم بأجندتها التدميرية تجاه العالم الثالث الا انها تعرف نفسها في العلن كمنظمات (غير حكومية) وبالتالي فإن الحكومات الغربية تستطيع ان تنفذ ما تشاء من سياسات وبرامج شريرة في بلدان العالم الثالث دون ان تتعرض تلك الحكومات الى حرج. باختصار ان ظاهرة (المنظمات غير الحكومية) هي استعمار حديث يتخذ صورة (انسانية) .