اعلان ابراء الذمة من الجامعة العربية يأتي تجسيدا للواقع العربي الآن وحالة العجز التي يعيشها العرب, وعمق الهوة بين الشارع العربي والنظام العربي.. حيث البعض يهرول, والبعد ينتظر, والبعض يتمنع وهو راغب, والبعض يغني: تراعيني قيراط.. اراعيك قيراطين.. بينما المقاتلون في الجنوب يحاولون وحدهم انقاذ ما تبقى من شرف الأمة . بالطبع.. لم يكن الامين العام للجامعة العربية ينتظر العدوان الاسرائيلي الهمجي على لبنان لكي يعلن ادراج موضوع عقد القمة العربية بصفة دورية على اجتماع مجلس الجامعة في مارس المقبل, لكن الرجل اراد ـ كما قال ـ ابراء ذمته امام الشارع العربي الذي يتساءل؟ اذا لم تنعقد القمة الآن.. فمتى تنعقد؟ وإذا غابت الجامعة العربية الآن.. فمتى يكون حضورها؟ وبصرف النظر عن ان الجامعة العربية لا تملك الدعوة للقمة وفقا لميثاقها, فان القضية اصبحت اكبر من الميثاق وتعديله, لأن ما حدث خلال الايام الماضية يكشف بؤس الواقع العربي, والجامعة لم تكن ولن تكون الا المرآة التي تعكس واقع العرب.. وكما تكونون تكون جامعتكم. فعلى مدى شهور, ومنذ مجيء باراك الى حكم اسرائيل والاوهام تزرع بأن السلام مسألة وقت ليس الا, وان كل العقبات التي اعترضت مسيرة سلام الشجعان الظافرة قد سقطت بسقوط نتانياهو. وان على العرب ان يفتحوا الابواب والشبابيك ويستعدوا لعصر جديد يعم فيه الخير ببركة دعاء الوالدين ورعاية امريكا, وعبقرية اولاد العم القادرين وحدهم على تحويل تخلف العرب الى اقتحام للعصر الجديد وتغلب على كل تحدياته. ولقد قلنا منذ اليوم الاول ان (مولد سيدي باراك) الذي اقامه العرب بانتصار الجنرال (المعتدل) وسقوط نتانياهو.. سوف ينتهي سريعا, وسوف يكتشف العرب الحقيقة بعد ان يدفعوا ـ كالعادة ـ ثمن غفلتهم, وسيعرفون ان الخلاف بين صقور اسرائيل وحمائمها ليس الا اختلافا في الاساليب, اما الهدف فهو واحد.. اخضاع العرب وفرض الهيمنة الصهيونية عليهم والاستيلاء على مستقبلهم ليكونوا (هنودا حمر) في خدمة المشروع الصهيوني. ومع ذلك استمر المولد, واستؤنفت المحادثات على المسار الفلسطيني وتوالت الاتفاقات التي لا تنفد, والاجتماعات التي تدور حول نفسها, وعندما لم يعد لدى القيادة الفلسطينية ما تستطيع تقديمه من تنازلات, اضطرت لاعلان الحقيقة وهي ان اسرائيل تريد سلام الحملان لا سلام الشجعان, وان استمرار المحادثات اصبح عبثا.. ولو أنه سيحدث لان الذين قبلوا (اوسلو) وتوابعها كان عليهم ان يدركوا الى اين تقودهم, ولا يرهنوا قضيتهم بالرهان على اعتدال اسرائيلي موهوم, وحياد امريكي لا وجود له. المباحثات بين باراك والقيادة الفلسطينية وصلت الى مأزق, ونفس الشيء حدث على المسار السوري الذي استؤنفت فيه المفاوضات بعد سنوات من التوقف, ووسط ضجة اعلامية تؤكد ان باراك سيستأنف المسيرة من النقطة التي وقفت عندها ايام رابين, وسيقر بالانسحاب الكامل من الجولان, وسيرحل عن جنوب لبنان, ثم تبين ان الحقيقة شيء اخر, وان المطلوب هو فتح سوق التنازلات السورية كما حدث على المسار الفلسطيني, والاقرار بحق اسرائيل في فرض شروط المنتصر.. وهو ما كان يقوله نتانياهو علنا, وما يحققه باراك دون ضجيج. توقفت المباحثات ـ ولكن الهرولة التي دخلت مرحلة جديدة مزدهرة مع (مولد سيدي باراك) واوهام السلام الزائفة استمرت ـ ولعل الكثيرين لم يتوقفوا عند نداءات اخيرة لقيادات فلسطينية تطالب بوقف الهرولة العربية الى اسرائيل, رغم ان تلك القيادات كانت في مرحلة سابقة تجوب العواصم العربية تدعو الى فتح الجسور مع تل ابيب وتشجع على اختراق جبهة المثقفين العرب الرافضة للتطبيع, وكانت حجة هذه القيادات ان التطبيع سيطمئن اسرائيل, وسيزيد من قوة المعتدلين بها.. وهو ما ثبت بطلانه ولكن بعد ان اصبحت (الهرولة) هواية مفضلة لدى البعض اكتشفوا فوائدها الصحية وغير الصحية بعيدا عن سلام الشجعان او الحملان, فقد ادرك البعض ان الطريق الى قلب وعقل امريكا لابد ان يمر عبر تل ابيب, وان الحصول على بعض الرضا والقليل من المعونات الامريكية لابد له من ختم الموافقة الاسرائيلية, وحتى التوبة النصوحة عن اي افكار او اعمال ثورية او قوية او حتى (كلمنجية) لن تقبلها واشنطن الا اذا اقترنت بتغيير الموقف من مسيرة سلام الشجعان! وهكذا كان طبيعيا (!!) ان يترافق ضرب لبنان والتهديد بحرقه مع اول زيارة رسمية لوزير خارجية تونس الشقيقة للكيان الصهيوني, ومع موسيقى تصويرية واحاديث عاطفية عن افاق السلام والتعاون المشترك! وقبله كان وزير خارجية موريتانيا (الشقيقة ايضا) يدشن اول سفارة لبلاده في الكيان الصهيوني, بينما العاصمة الموريتانية تستقبل المبعوثين الصهاينة في كل المجالات رغم المقاطعة الشعبية والمعارضة التي يتم قمعها بكل حسم. وقبله كانت اجتماعات دافوس واستئناف مسيرة المفاوضات متعددة الاطراف في موسكو, وكانت اطراف عربية جديدة تدخل مسيرة سلام الشجعان اياه.. ولو على خجل, او تحت شعار (تراعيني قيراط اراعيك قيراطين) او خطوة واحدة من اسرائيل تقابلها خطوتان.. وربما اكثر! وهكذا جاءت الضربة الاسرائيلية الهمجية للبنان, فقابلها الصمت الرسمي, وازدادت الوقاحة الاسرائيلية بالتهديد النازي الذي اطلقه المسئولون الاسرائيليون بحرق لبنان فازداد الاصرار العربي الرسمي على الصمت او ادعاء الحكمة التي تأكدت بعد ان اعلنت الولايات المتحدة الامريكية ان المسئول عن ضرب لبنان هو.. المقاومة الوطنية اللبنانية! و(خطيئة) المقاومة اللبنانية انها لم تفعل ما فعله آخرون, فلم تلق السلاح قبل الاوان, ولم تقدم الاقرار الرسمي بأن كفاحها كان ارهابا وان شهداءها كانوا قتلة وسفاحين, ثم تقف بعد ذلك تستجدي سلاما لن يتحقق الا اذا تمسك اصحاب القضية بقضيتهم وقاتلوا عنها حتى يجبروا العدو على التسليم بحقوقهم وقضيتهم العادلة. و(خطيئة) المقاومة اللبنانية انها رفضت ان يتحول الجنوب اللبناني الى ارض (متنازع عليها) يتقرر مصيرها بالتفاوض الذي يخضع لمنطق الامر الواقع الذي يفرضه العدو بدعم امريكا وتفوقه العسكري, لقد رفضت المقاومة اللبنانية ان تقع في الفخ الذي وقع فيه الاخرون او اوقعوا انفسهم فيه, وتمسكت بالحقوق الوطنية المشروعة, وبأن الجنوب ارض لبنانية لا مجال لأي تفاوض حولها ولا حل للازمة فيه الا بانسحاب المحتل الاسرائيلي, والى ان يتحقق ذلك فعليه ان يواجه المقاومة المشروعة, وان يدفع ثمن كل لحظة احتلال باهظا, وان يدرك انه لا مجال امامه الا الانسحاب دون قيد او شرط. و(خطيئة) المقاومة اللبنانية انها ادركت ان اللعب على فصل المسارات لن يخدم الا اسرائيل, وان وحدة المسارين السوري واللبناني على الاقل هي قضية استراتيجية وبدونها فان الطريق سيؤدي الى اعادة اتفاق 82 الذي اسقطه الشعب اللبناني الى الحياة بصيغة اخرى تعطي لاسرائيل ما تشاء من حقوق داخل لبنان, وتحقق لها ما تخفي وتعلن من اطماع سياسية واقتصادية وعسكرية. و(خطيئة) المقاومة اللبنانية الاكبر, انها في النهاية ومهما كان الثمن تثبت صحة موقفها, وتنزل الهزيمة باسرائيل, وتجعل انسحابها من لبنان مسألة وقت ليس الا, ووجودها هناك عبء لا يمكن احتماله, وهو درس لا تريد اسرائيل ولا امريكا ولا حتى بعض الاطراف العربية ان يستقر في وعي الامة العربية خاصة في هذه المرحلة التي يتقرر فيها مصير المنطقة لأجيال عديدة قادمة. .. وهكذا جاء العدوان الاسرائيلي على لبنان ليكشف عن نوع السلام المطروح على العرب, وجاء الصمت العربي الرسمي ليكشف بؤس الواقع الذي يتم فيه فرض التسوية السياسية بشروط اسرائيل وعلى حساب العرب وحقوقهم ومصالحهم ومستقبلهم. ويجيء الموقف الامريكي الداعم لاسرائيل ليؤكد اذا كانت هناك حاجة لتأكيد جديد ـ ان الوسيط لم يكن يوما وسيطا ـ بل هو منذ اليوم الاول طرف اساسي ومنحاز لاسرائيل ولا يمكن ان يكون الا كذلك بحكم مصالحه ورؤيته لمستقبل المنطقة. ولعل اعلان ابراء الذمة والجامعة العربية عن تساؤل الشارع العربي حول عدم انعقاد القمة العربية, وقرار الجامعة بوضع قضية انعقاد القمة بصفة دورية على مجلس الجامعة القادم ليبحثه وزراء الخارجية العرب (اذا حضروا!!) لعل ذلك هو التعبير عن حالة العجز العربي والرغبة في اي عمل يحاول تجاوزها, ولعلها تعكس عمق الهوة التي اصبحت تفصل بين الشارع العربي وبين النظام العربي الذي لم يعد قادرا على المبادرة, والذي اصبح عاجزا حتى عن الشجب والاستنكار!! اعلان ابراء الذمة يأتي تجسيدا للواقع العربي.. اما ماذا يحدث بعد ذلك فلا جديد فيه.. وزراء الخارجية العرب ـ اذا حضروا الاجتماع لن يقرروا شيئا, والقمة لن تنعقد لاسباب لم يعد هناك داع لتكرارها, واسرائيل تفرض ما تريد, والولايات المتحدة تقدم لها كل الدعم وتوفر لها كل التغطية المطلوبة, والبعض (يهرول) والبعض يتمنع وهو راغب, والبعض ينتظر اللحظة المناسبة, والبعض يغني (تراعيني قيراط.. اراعيك قيراطين) .. ومقاتلو الجنوب اللبناني وحدهم يحاولون انقاذ ما تبقى من شرف الامة, ويدفعون الثمن راضين, ويسلكون الطريق الوحيد الذي يمكن ان يقيم سلاما حقيقيا قائما على العدل والشرعية. اما ما يجرى على الساحات الاخرى فلن تكون نتيجته الا انفجار الاوضاع في وجه الجميع.. فهل يسمعنا السادة الذين يتحكمون في مصير الامة فيعودون الى الحق والصواب قبل ان تقع الواقعة؟ هل تعلن القيادة الفلسطينية وقف جميع المفاوضات (العلنية والسرية) وان البديل للوصول الى تسوية معقولة ان يلتزم الجميع بتطبيق قرارات الشرعية الدولية, فتنسحب اسرائيل من كامل الارض الفلسطينية التي احتلتها في 67 وتقوم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وتحل قضايا اللاجئين والمياه وفقا للقرارات والمواثيق الدولية, وانه بدون ذلك لم يكن هناك الا العودة للنضال بكل السبل المشروعة ضد الكيان الصهيوني؟ وهل تتمسك دمشق بموقفها الصارم بضرورة الالتزام الاسرائيلي بالجلاء عن الجولان كشرط لاي تسوية؟ وهل تتوقف كل مظاهر التطبيع التي تقيمها الدول العربية مع اسرائيل سرا وعلنا؟ وهل يدرك البعض ان المرور على تل ابيب قد يكون طريقا سالكا لقلب اللوبي الصهيوني الحاكم في واشنطن.. ولكنه في الوقت نفسه ـ سيكون بوابة الخروج من العقل والقلب العربيين.. بكل ما يحمله ذلك من آثار فادحة؟ .. وما اكثر الاسئلة واقل الاجابات! وما احوج الجميع للعودة الى المبدأ الوحيد الذي تفهمه اسرائيل, وهو ان ما اخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة, كما يفعل الآن الرجال في جنوب لبنان. فالمجد لهم..