يهمنا في الخليج ما يحدث في ايران لأسباب ثلاثة, الاول انها جارة وجارة كبيرة ومؤثرة وهي اقرب مناطق العالم الينا جغرافيا واكثرها تأثيرا حضاريا, وثانيا ان بيننا وبين ايران الكثير من المصالح وبعض وجهات النظر المختلفة, وثالثا ان ايران الاسلامية ان احسنا الفهم هي بمثابة رديف مهم لنا ثقافيا , وما التطورات التي تجري فيها الا مقدمة لتطورات قد نتوقعها ليس في بيئتنا الخليجية فحسب, بل الاسلامية على اتساع ارجائها. ومن الايجاز الى التفصيل, فبعد ايام قلائل تظهر نتائج انتخابات المجلس التشريعي السادس في ايران, وهي آلية انتخابية تبنتها الثورة الايرانية وما زالت مستمرة فيها, ونتائج هذه الانتخابات ربما تكون فاصلة بين عصرين للثورة الايرانية: عصر التقليد وعصر التفسير والمواءمة ان صح التعبير. يجمع المراقبون على ان الثورة الايرانية مرت بثلاث جمهوريات حتى اليوم, هي الجمهورية الاولى عند بداية الثورة, وهي جمهورية التغيير العنيف من نظام قديم الى نظام جديد, مع كل ما يصاحبه من الهدم والتغيير, وقد خاضت فيها الثورة اكثر من صراع داخلي وخارجي متزامن معه, حيث انها مرت بأكبر حرب دموية عرفها الايرانيون في القرن العشرين, وهي حربهم مع العراق, ثم تصفيات داخلية لاجنحة التحالف الذي قاد الثورة, ثم استشرى الصراع بين اطرافه لاسباب فكرية وسياسية, ثم حدث التطهير والتطهير المضاد في تحالفات متغيرة ,واخيرا الحصار الدولي الذي عانت منه ايران في السنوات العشر الاولى من الثورة. في الجمهورية الثانية وبعد وفاة الامام الخميني تحددت الصراعات السياسية بانها صراعات دنيوية التفتت فيها اجهزة الجمهورية الثانية للاصلاح الاقتصادي والبنية التحتية واخذت في التسامح مع الحريات الشخصية والثقافية وظهرت دعوات التغيير والاجتهاد في غياب المرجعية الحية وسمحت الفترتان اللتان اعتلى فيهما الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني سدة الرئاسة, لادارته بتقديم بعض الاصلاحات وتدفقت افكار جديدة في مجرى الثقافة الايرانية السائدة, الا ان هذه الفترة قد شهدت تفكك الاتحاد السوفييتي القديم ثم انحلاله وايران على مقربة من جمهورياته الآسيوية, فجاء الدرس واضحا في الاختيار بين التمسك بمقولات ثورية ليس لها علاقة بما يجري على الارض والمخاطرة بتجاهل مطالب الناس لفترة طويلة, او تقديم اصلاحات ترغب فيها القوى الجديدة التي استفادت من قوتها التصويتية لتشكيل الحقائق على ارض الواقع وممارسة الضغوط على الادارة. هذه التطورات هي التي ربما قادت, امام بعض الدهشة من المراقبين, الى ان يصل محمد خاتمي الى سدة الرئاسة في الجمهورية الثالثة في مايو سنة ,1997 وقد انتخبه الايرانيون بنسبة سبعين في المئة لانه قدم في حملته الانتخابية ما يريد الايرانيون ان يحققوه في الواقع لا ما يفترض وجوده في الحلم. لعل هذه التطورات جرت على خلفية بالغة الاهمية, فسريان التغيير طوال فترة العقدين الماضيين في الشارع الايراني كان يجري في قناتين كبيرتين: الاولى مادية والثانية معنوية. الناحية المادية هي ان الثورة في مسيرتها قد حققت في السنوات الاحدى والعشرين مجموعة من الانجازات ففي السبعينيات مثلا كان نصف الشباب الايرانيين بين السادسة والثانية عشرة من العمر هم في المدارس, وبعد عقدين من الزمان اصبح 90 في المئة ممن هم في تلك السن يحصلون على تعليم نظامي بشكل او بآخر, في الوقت الذي زاد فيه عدد السكان من اربعة وثلاثين مليونا الى خمسين مليونا ثم الى حوالي سبعين مليونا وتطور عدد خريجي الجامعات من نصف مليون تقريبا الى اربعة ملايين طالب وطالبة, تشكل النساء حوالي 40 في المئة منهم, وهو تطور بالغ الاثر بكل المقاييس. كما قامت الثورة بالكثير من الاصلاحات في الريف الايراني والمدن من توصيل الكهرباء للقرى وتعبيد الطرق واصلاح الاقتصاد الايراني بما فيه العودة الى بعض الخصخصة, واحياء العمل في البورصة والانفتاح على الخارج سواء في الجوار او في العالم. من الناحية المعنوية نرى ان هناك نقاشا محتدما حول تأويل النصوص وهي عملية قائمة في المجتمع الايراني على اوسع نطاق, وما زالت دائرة بين محافظين واصلاحيين ونتائجها لا تهم المجتمع الايراني فقط بل تهم المجتمعات المسلمة في كل مكان, فبعد جهد طويل بذلته الحركات الاسلامية العربية على مدى قرن كامل (القرن العشرين) لم تتمكن بعد من حسم الدنيوي والديني وزاوية الملاءمة الافضل للتوافق بين الدولة والدين. ولعل من الملاحظ أن هذا الحوار يستعان فيه بكتابات عربية ومفكرين عرب يجري تداول كتبهم في طهران والمدن الايرانية وبعضها ممنوع تداوله في بلاد المنشأ كما يقال. الا ان هذا الحوار الكبير الذي تشهده قاعات الدرس والمحاكم وصفحات الجرائد هو جزء من حركية ودينامية ايرانية نتائجها لن تستقر هناك فقط ولكنها سوف تغني الفكر الاسلامي ايضا. ففي موضوع المرأة, وهو الموضوع الاكثر حساسية في بعض المجتمعات الاسلامية, والذي يحدد الاختلاف على الهوية وعلى ولوج المجتمع الاسلامي عصرا جديدا في الممارسة الانسانية, نرى ان المرأة الايرانية قد حققت, وذلك بفضل القوة التصويتية التي اهلتها لها الثورة, الكثير من الخطوات التي كانت اما ممنوحة لها من فوق واما محجوبة عنها. فهي الآن تتعاطى اكثر المهن جسارة في ايران وتحظى بالتعليم الى اعلى درجاته وتتقلد المناصب الحكومية العالية وتحقق تقدما في قوانين الاحوال الشخصية ومنها حضانة الاطفال ويدور نقاش حول تحريم زواج المتعة, وبعد رفض مؤقت لتحديد النسل اصبحت هناك فتوى شرعية ومؤسسات تحض على تحديد النسل, حكومية واهلية على السواء, بل اصبح للمرأة مطبوعاتها الخاصة التي تناقش فيها شئونها ولقد نشطت السينما الايرانية في هذا الباب فقامت بشرح ما تعانيه المرأة في مجتمع تقليدي من عنت مما ادى بدوره للالتفات الى مشكلاتها, وقد نالت بعض هذه الافلام جوائز دولية. وفي التحضير للانتخابات الرئاسية الماضية رشحت اربع نساء انفسهن لسباق الحصول على الكرسي الاول الا ان مجلس امناء الدستور (المفوض اليه البت في قبول او رفض المرشحين) لم يتح لهن ذلك ولم يكن الرفض كما اعلن بسبب الجنس ورغم ذلك فقد عين الرئيس خاتمي بمجرد وصوله الى الرئاسة سيدة في منصب نائب رئيس الجمهورية. الا ان اخطر ما يدور في ايران اليوم هو السباق بين الاصلاحيين والمحافظين (على سيولة المصطلح) فمحاكمة عبدالله نوري, وتهديدات الاطاحة بوزير الثقافة اية الله مهاجراني, وسجن مدير بلدية طهران غلام حسين كرياستشي, واغلاق جريدة زن (المرأة) لصاحبتها فايزة رفسنجاني, كلها وغيرها من مظاهر هذا الصراع المحتدم انما ينبع من خلاف في تفسير ما يجب ان تكون عليه الديمقراطية والحكم في ايران وعلى اي الصور يجب ان تتوجه سفينة ايران في العقد الثالث وما بعده من عمر الثورة. هذا الصراع الذي يخرج القائد من منصبه ليزج به في سجن, ويخرج السجين ليصل الى القيادة وهو يتعدى الحاضر ليلج الى المستقبل في فهم التزاوج الافضل بين قيادة رجال الدين للدولة وبين المصالح المرسلة للشعب. عبدالله نوري هو الاكثر تمثيلا لهذا الخلاف لانه اصبح مرتين وزيرا للداخلية, وهو المنادي بالاصلاح وممثل للاصلاحيين الآخرين مقتنع بان الثورة يجب ان تساير العصر ان كان لها ان تتقدم, وينظر المراقبون الى ان سجن نوري هو حكم سياسي اكثر منه جنائيا الا انه يطرح علنا المسكوت عنه وهو هل يجب ان يكون كل القياديين والرسميين منتخبين من الناس, أي بكلام حديث ان تكون السلطة كاملة للشعب تنبع منه وتعبر عن احتياجاته؟ وهو بهذا القول يعتقد انه يقدم خدمة للثورة وتطورها, ولا يخفى ان هناك العديد من حلقة رجال الدين ومن خارجها يتعاطفون مع تلك الأفكار. الانتخابات المقبلة ربما لا ترجح كفة على أخرى, وهنا يظل الصراع غير محسوم, ولكن الكثير من المراقبين يرون ان الاصلاحيين ربما يفوزون بأغلبية, إلا ان رأيا آخر يميل إلى ان الانتخابات ربما تأتي بعدد وافر من المستقلين سوف يحددون فيما بعد مواقفهم السياسية. الانتخابات الايرانية المقبلة, ستكون ساحة اختبار لمدى تجذر التوجه الاصلاحي في المجتمع الايراني, وهو التوجه الذي جاء بخاتمي إلى الرئاسة, كما سوف تجيب عن سؤال هو: هل استطاع الاصلاحيون في السنوات الثلاث الماضية ان يحولوا تطلع الشعب للتغيير إلى مؤسسة تستطيع التغيير؟ جبهة الثاني من خراداد, تاريخ انتخاب خاتمي, تضم حوالي ثماني عشرة مجموعة وحزبا سياسيا, وهي تخوض الانتخابات على أساس برنامج رئيس الجمهورية. ولكن عقبة عدم السماح للكثير من المرشحين بدخول السباق النيابي تحول بين آليات الديمقراطية وان تأخذ كامل مسارها. نتائج انتخابات ايران ستؤثر في الجوار وفي العالم, والطريق له جانبان: إما الإقدام على الاصلاح وتركه يأخذ مجراه, وفي ذلك عصر جديد للعلاقات الخليجية والاقليمية الايرانية وإما الانكفاء. والتاريخ علمنا انه لا يتراجع إلى الخلف.