في علاقة العمل مع الحكومات الغربية تلعب منظمات الاغاثة الغربية في العالم الثالث, وخاصة افريقيا دور (المقاول من الباطن) . الحكومات توفر مواد الاغاثة وتمويل ميزانيات هذه المنظمات.. والمنظمات بدورها تقوم بالدور الميداني في توزيع الاغذية والادوية في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية بالاضافة الى ممارسة انشطتها الاخرى. فلماذا تستخدم الحكومات الغربية هذه المنظمات كوسيط؟ لماذا لا تعتمد الحكومات على ما لديها من آليات خارجية ـ والحكومات الغربية كلها حكومات مقتدرة ـ لتتولى بنفسها أعمال الاغاثة في الخارج؟ وسؤال اضافي: ماذا تتلقى الحكومات من المنظمات في المقابل نظير الدعم الحكومي؟ هنا نأتي الى الدور الخفي لنشاط المنظمات (الخيرية) الغربية.. وهو الدور الحقيقي. فما نرى من نشاط ظاهري من قبيل توزيع المعلبات الغذائية والبطاطين ليس سوى تمويه. فالعاملون في فرق الاغاثة التابعة للمنظمات هم في الحقيقة جواسيس يعملون لحساب أجهزة الاستخبارات الخارجية الغربية تحت غطاء (انساني) و(خيري) يوفر لهم حماية, وبالتالي حرية الحركة والتغلغل في أصقاع وأحراش افريقية وغير افريقية, لا يكون دخولها متاحا لشخص غربي غريب دون غطاء. فالعاملون في فرق الاغاثة الغربية إذن يمارسون مهنة جمع المعلومات عن أي شيء في بلد افريقي مثلا بموجب تكليفات محددة ومنتظمة من وكالة استخبارات غربية ما. وفي تقرير مجلة (ايكونومست) اشارة الى منظمة بريطانية تدعى (جلوبال وتسنس) تعمل في أنجولا في اجواء الحرب الاهلية الدائرة هناك. هذه المنظمة, يقول التقرير, يتم تمويلها بواسطة وزارة الخارجية البريطانية. وهكذا تستغل فرق الاغاثة الغطاء الخيري الانساني لاستثمار ميزتها الميدانية.. كونها داخل ميدان (المعركة) وفي قلب الموقف لأقصى حد ممكن ليس لأداء مهمات تجسسية فحسب بل ايضا لانجاز تكليفات تآمرية وفقا لسياسة الدولة الغربيه صاحبة التكليف تجاه دولة افريقية ما. وبهذا المفهوم فإن المنظمات غير الحكومية هي اولا واخيرا أدوات مبتكرة لخدمة أهداف السياسات الخارجية الغربية ولنأخذ مثالاً واقعيا: نعلم أنه قرب نهاية العام الماضي أجاز الكونغرس الامريكي قرارا لتزويد حركة قرنق في جنوب السودان, بامدادات غذائية منتظمة (لمساعدة قواتها في ابقاء احتلالها في المناطق التي تحتلها) . هذا ما أعلن على الملأ. وما لم يعلن هو ما فضحه تقرير (إيكونومست) .. وهو أن يعهد إلى منظمات إغاثة امريكية ذات أجندة مسيحية (في مقدمتها منظمة ويرلد فيجن) بتولي امر تسليم وتوزيع المواد الغذائية. على أن اوضح دليل يثبت ان المنظمات غير الحكومية هي في الحقيقة منظمات حكومية, أن الحكومات الغربية تعمد احيانا الى انتداب خبرائها الرسميين للعمل مؤقتا مع المنظمات. وأحيانا يحدث العكس فينتدب موظف من كبار موظفي إحدى المنظمات للعمل في مؤسسة حكومية غربية.. كأن يلتحق كدبلوماسي بوزارة خارجية! بناء على هذه العلاقة المريبة التي تربط المنظمات (الانسانية) الغربية بحكوماتها لا يملك المراقب الموضوعي الا ان يصدق كل الشكوك التي ظلت تثار حول طبيعة اهدافها وانشطتها. واذا أخذنا حرب جنوب السودان كأبرز وأقرب مثال فإن المنظمات الانسانية العاملة هناك تمارس أنشطة خفية نيابة عن الحكومة الامريكية بصفة خاصة لصالح حركة التمرد وضد القوات الحكومية. ومن ذلك مثلا نقل أسلحة من الخارج إلى الداخل.. ونقل قوات مقاتلة وتوفير الاغذية والادوية, لا للمدنيين, وانما أساسا للمقاتلين. لكن للمنظمات (الانسانية) الغربية دوراً اضافيا لا يقل بشاعة.. وابعد ما يكون عن الاعتبارات الخيرية والانسانية.