يبدو أن عملية التسوية للصراع العربي ـ الصهيوني قد وصلت بالفعل إلى حائط مسدود, وقد التقى على هذا التوصيف معظم الاطراف المعنيين بالازمة, ولم يعد هناك من خيارات الا ان ترضخ اسرائيل لمتطلبات السلام الحقيقي العادل أو ان تنفجر المنطقة انفجارا واسعا يمتد صداه حتى إلى قمة العالم وتوازناته الهشة الراهنة . ويبدو أن الولايات المتحدة الامريكية نفسها اول من بات يدرك هذه الحقيقة, ويتأكد ذلك من تصريحات ادوارد ووكر مساعد وزيرة الخارجية الامريكية, والتي تبدو متناقضة مع مواقف وزيرته ورئيسه وكل التصريحات الامريكية السابقة. فقد عزف كل المسئولين الامريكيين في السابق على وتر التبني الكامل لوجهة النظر الاسرائيلية فأدانوا المقاومة اللبنانية المشروعة ودعموا حليفتهم اسرائيل ودافعوا عن خرقها لتفاهم ابريل وعن اتباعها سياسة الارض المحروقة وابادة الحضارة في لبنان, لكن ذلك لم يؤد إلا إلى مزيد من تعقيد الموقف وإلى مزيد من ادانة السياسة الامريكية في المنطقة وتهديد كل مكانة واشنطن التي تستمد جانبا مهما من عناصر قوتها العالمية من هيمنتها على (الشرق الأوسط) . ولذلك سارع ووكر إلى انقاذ ما يمكن انقاذه حين اعلن موقفا اقرب إلى المنطق وحقائق الاشياء, واكد ان الغارات الاسرائيلية ضد محطات كهرباء لبنان وتجمعاته البشرية خرق لتفاهم ابريل, ثم دعا (لإعادة عملية السلام إلى مسارها لان ما نريده هو العودة إلى الاساسيات ووقف اعمال العنف والتوصل إلى اتفاق سلام بين اسرائيل وسوريا ولبنان وبين اسرائيل ولبنان) . لكن من عبر بصدق أوضح عن مآزق عملية التسوية هما الدكتور عصمت عبدالمجيد الامين العام للجامعة العربية وعمرو موسى وزير خارجية مصر, فبينما اكد الاول ان (اسرائيل ستنسحب من لبنان مكرهة أو راغبة وستدفع ثمن (وحشيتها) غاليا) فإن وزير الخارجية المصري, قال: (ان ساسة اسرائيل باصرارهم على الحديث عن اليد الطولى يظهرون عدم فهم للعالم العربي) مؤكدا ان (هذه اليد الطولى لن يكون لها اي تأثير في تخويف أو ترهيب بل ستؤدي إلى ثورة ضد هذه السياسات) . وحتى الصهاينة انفسهم بدوا وقد فهموا حقيقة ان جرائمهم التي لم تستطع كسر ارادة المقاومة والتنسيق السوري ـ اللبناني المصرّ على الحق العربي لن تؤدي في النهاية إلا إلى تفجير عملية التسوية الراهنة التي يظلون هم اكبر المستفيدين منها مهما كانت نتائجها. ووحدهم اولئك المهرولون العرب إلى التطبيع يبدون خارج المعادلة وفي موقف لا يليق بأمتهم وشعوبهم. والمعادلة ببساطة تقول ان القهر والعدوان لا يصنعان السلام, وان المقاومة والارادة أهم اسلحة العرب, وان السلام يكون عادلا أو لا يكون.