قضية الترقية الوظيفية تشغل بال كثيرين, وإذا كان العاملون في الجهاز الحكومي هم الاكثر اهتماما بهذه القضية, إلا أن الانشغال بها يتعدى هذا الاطار إلى جميع المؤسسات الإدارية والفنية وكل التي تمارس نشاطا اقتصاديا انتاجيا أو خدميا, فوضوح قاعدة الترقية يمثل احدى اهم عوامل الاستقرار والابداع والاحساس بالانتماء إلى المؤسسة. وفي الجزء الاول من هذه الدراسة ركز الباحث على تعريف ومفهوم الترقية, وقسمها بين القائمة على الاقدمية أو المستندة إلى الاختيار بالكفاءة, ثم انتقل إلى شروط الترقية مبتدئا بالشرط الاول وهو: وجود وظيفة شاغرة, ثم استيفاء المدة اللازمة للترقية. ويستكمل الجزء الثاني والاخير من الدراسة اليوم بقية الشروط قبل أن ينتقل إلى معايير الترقية واشكالياتها. 3 ـ الكفاءة الوظيفية الترقية تكريم وتقدير للموظف المعني بها, ومن هنا فإن الموظف غير الكفء بموجب تقاريره الدورية وعناصر التقدير الوظيفي لا يجوز النظر في ترقيته, وإذا كان الموظف حاصلا على تقرير ضعيف ولا يحسن من مستوى أدائه الوظيفي يتم حجبه عن الترقية, وان تكون لدى الموظف رؤية وأهداف لمعرفة التغيرات والمؤشرات البيئية, وتحديد مستوى المخاطر والتعقيد, وتقييم القدرات الذاتية, والقدرة على تحقيق نتائج ايجابية, ولابد من تدريبه على اتخاذ القرارات بشجاعة وكفاءة واصرار بالثقة. ويمكن الاستهداء في اجراء التقدير في مثل هذه الأحوال بما هو ثابت في الأوراق عن ماضي وحاضر الموظف المعني وما هو ملاحظ بصدد نشاطه في ممارسة عمله الوظيفي, وبحيث لا معقب على تقدير الادارة في هذا الصدد طالما خلا تقديرها من التعسف أو الانحراف واستهدفت من وراء ذلك تحقيق الصالح العام. 4ـ قرار الترقية من السلطة المختصة: يجب ان يصدر قرار الترقية من السلطة ذاتها المختصة باصدار قرار التعيين في الوظيفة المرقى إليها وفقا لما ورد بنص كل من المادة السابعة بالنسبة للموظفين, والثامنة والتسعين بالنسبة للمستخدمين من القانون رقم 5 لسنة 1978م. 5ـ عدم وجود مانع للترقية: ان الوصول إلى تحديد الأسباب المانعة من الترقية ليس بالأمر العسير إذا ما علمنا ان الترقية أسوة بالتعيين هي احدى وسائل شغل الدرجات الوظيفية, ومن ثم لابد ان تتوافر في المرقى الشروط اللازمة توافرها في المعين ألا وهي: أ ـ الاحالة إلى المحاكمة التأديبية أو الجنائية فهما مانعتان للترقيات بكافة أنواعها. ب ـ الوقف عن العمل بسبب التحقيق مع الموظف أو حبسه احتياطيا. جـ ـ عدم مضي مدة عام على نقل الموظف. د ـ عدم جواز ترقية الموظف المعين تحت الاختبار. ويلاحظ في جميع الأحوال السابقة ان حق الموظف لا يسقط بصورة نهائية وانما يوقف لحين زوال المانع بحيث يصبح بعد انقضائه حقه حالا في تلك الترقية. وتنص المادة السابعة والستون من المشروع المقترح للخدمة المدنية في هذا الصدد على انه: (لا يجوز ترقية الموظف المحال إلى التحقيق الاداري أو الجنائي أو المحاكمة الجنائية أو الموقوف عن عمله طيلة مدة الاحالة أو المحاكمة أو الوقف لكنه يحتفظ بدوره في الترقية إذا حلت, فإذا انتهى التحقيق أو المحاكمة إلى براءته أو الحكم عليه بعقوبة الانذار أو الخصم من المرتب مدة لا تزيد على خمسة أيام وجب رد ترقيته إلى التاريخ الذي كان يجب ان تتم فيه لو لم يقف أو يحال للتحقيق أو المحاكمة. معايير هناك معايير تلتزم بها جهة الادارة بالنسبة لقرارات الترقية من أجل تحقيق مبدأ الموازنة فيما بين كل من المصلحة العامة للادارة والمصلحة الخاصة للموظفين بصورة عادلة. وأهم معايير واجبة الاتباع عن التخطيط للترقية هي: 1ـ اجراء موازنة فيما بين نظامي التربية المفتوح والمغلق, بمعنى اتباع الادارة لسياسة تنسيقية فيما بين الترقية من داخل الجهاز الاداري وخارجه, أي اتاحة الفرصة أمام الموظفين بالجهاز للترقي والحصول في الوقت ذاته على أعلى الكفاءات الوظيفية والتخلص من عيب عدم الكفاءة والاحباط الذي يصيب الموظفين. 2 ـ تشييد سياسة الترقية على أساس الجمع بين الترقية بالاقدمية والاختيار مما يؤدي إلى عدم اهدار عنصر الأقدمية واتاحة الفرصة في الوقت ذاته أمام ذوي الكفاءة والجدارة للترقي. 3 ـ الالتزام عند اجراء الترقيات بوضع خطة مسبقة على مبادئ الموضوعية والعدالة ونبذ المعايير الشخصية القائمة على المجاملة والمحسوبية بحيث لا يتم ترك الترقيات لمحض الصدفة. وبناء على ذلك نتمكن من رفع معنويات الموظفين وتعزيز ثقتهم بالادارة وعدم تسرب اليأس إلى نفوسهم بصدد تحسين أوضاعهم الوظيفية, بالاضافة إلى توطيد أواصر الروابط الحسنة بين كل من الرؤساء والمرؤوسين. وأهم معايير واجبة الاتباع عند الترقية بالاختيار هي: أ ـ عدم جواز تخطي الموظف الأقدم إلى الموظف الأحدث إلا إذا كان هذا الأخير هو الأصلح. ب ـ عدم جواز اجراء المفاضلة بين المرشحين للترقية بالاختيار للكفاءة إلا فيما بين من يشغلون وظائف ذات مستوى وظيفي واحد, وان اختلاف المستوى الوظيفي يرجح كفة الموظف ذي المستوى الأعلى في السلم الاداري. جـ ـ جواز وضع الادارة لضوابط ومعايير تنظيمية للترقية بالاختيار بحسب ظروف وطبيعة كل جهة ادارية إلى جانب ما هو منصوص عليه في القانون. مشكلات على الرغم من الاعتراف المبدئي بالترقيات فإن العديد من المشكلات واجبة الحسم تنشأ عنها, ورب سائل يسأل هل تلك الترقية تعتبر حقا للموظف أم انها منحة صادرة إليه من جهة الادارة؟ وللرد على هذا السؤال: يهمنا ان نشير لأهم تلك المشكلات وأكثرها شيوعا فيما يلي: أولا: اجراءات الترقية: من المسلم به ان اجراءات الترقية هي من الأمور التي تختص بها جهة الادارة شريطة ألا يشوب مسلكها أي تعسف في السلطة أو اساءة باستخدامها, وما ذلك إلا لتحقيق مبدأ الموازنة بين عنصري الفاعلية والضمان. ومن هنا وجب البحث عن حلول مشكلات اجرائية خاصة بالترقية على النحو التالي: 1ـ وجوب مطابقة التوجيهات الرئاسية الادارية الصادرة بشأن الترقيات للقانون حتى تصبح ملزمة. 2 ـ تقدير كفاءة الموظف خلال السنوات السابقة على ترقيته بأعلى مرتبة يعد بمثابة اقرار من الادارة بصلاحية الترقية. 3 ـ صدور كافة اجراءات الترقية ابتداء من لحظة تحديد الوظائف الشاغرة في الميزانية بمختلف درجاتها تحقيقا للمصلحة العامة. 4 ـ عدم جواز نقل الموظف اضرارا به لتوفيت فرصته في الترقية, سواء كان هذا النقل من النوع الوظيفي أم المكاني, وإلا كان استخدام السلطة هنا مشوبا باساءة استخدامها والتعسف فيها غير محقق للمصلحة العامة. ثانيا: التخطي في الترقية: ومن الملاحظ انه قد تتخطى جهة الادارة الموظف في الترقية سواء بالأقدمية أو الاختيار بسبب الأوضاع الوظيفية الطارئة كالاعارة أو وجوده في بعثة دراسية أو مرضية وسداً لذلك مما يخلق المشاكل فيجب على جهة الادارة مراعاة المبادئ التالية: 1ـ عدم جواز حرمان الموظف من حقه للترقية بسبب حصوله على اجازة لأنه استخدم رخصة اقامها له القانون. 2ـ عدم جواز تخطي الموظف الأقدم في الترقية بسبب اعارته الخارجية. 3 ـ عدم جواز تخطي أو ابعاد الموظف الذي حل عليه الدور في الترقية بسبب عدم القيام بتقدير كفايته بعد. 4 ـ إذا ثبت بطلان قرار التخطي في الترقية وانه صدر دون وجه حق يجب اعادة تاريخ الترقية إلى التاريخ الذي كانت تتم فيه بفرض عدم حدوث التخطي. وفي الختام: اللهم أعطني الشجاعة لتغيير ما يجب تغييره, واعطني الحكمة للتمييز بين هذا وذاك. وصدق الله العلي العظيم اذ يقول: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . باحث اماراتي