شهد عقد التسعينيات الذي يقترب من نهايته تغييرات جذرية في هيكل النظام العالمي. وتعددت مظاهر التغيير وتباينت, وتفاوتت انعكاساتها من دولة الى اخرى ومن اقليم الى آخر. الا ان بعض اوجه التغير علت على اوجه اخرى, وحظي البعض منها بتركيز واهتمام واضح باعتباره العنصر الحيوي في صياغة واعادة تشكيل الهيكل الراهن للعلاقات الدولية, وتزايد حدة التناقضات الثقافية بين المجموعات البشرية المختلفة, وتصاعد دور (الهوية الثقافية) في تحديد افق الصراعات القائمة او المحتملة, دفع الى الاهتمام بالمكون الثقافي في المعادلة السياسية دوليا ومحليا. فقد اضحى للمنظومة الثقافية دورا محوريا في تحديد الشعور بالانتماء في فترة ما بعد الحرب الباردة ويقوم الموروث الثقافي ـ بما يتضمنه ذلك من تراث ومعتقد ديني وفكري وعادات وتقاليد وأعراف ولغة بوصفها وعاء ومحتوى يجسد الحس والمفهوم الثقافي للامة ـ بدور اكثر تأثيرا في تحديد طبيعة التحالفات الخارجية التي يمكن لدولة او اقليم ما تقيميها بوصفها تحالفات استراتيجية, حتى وان لم تترجم في المرحلة الراهنة الى اطار مؤسسي يساعدها على التحول من آفاق التنظير الى مجال الفعل. من جانب آخر يمارس التجانس الثقافي فعلا بارزا في عملية الاستقطاب الداخلي ضمن اطار المجتمع الواحد. ففي البلدان متعددة الاعراق والثقافات تؤدي قناعة المجموعات الثقافية المتقاربة باختلافها وتميزها عن غيرها من المجموعات داخل اطار الدولة الواحدة الى مزيد من التلاحم فيما بينها, وبما يدفع الى تقسيم الدولة من الداخل على قاعدة التباين الثقافي, اما المجتمعات التي لاتزال تحظى نسبيا بدرجة اعلى من التجانس العرقي او الثقافي وبما لا يسمح بادعاء مجموعة داخلية بتباين وتميز ومنظومتها الثقافية عن الآخرين داخل نفس المجتمع, فان الكيان الثقافي للمجموعة ككل يبرز بوصفه نسق (أرقى) في مواجهة الثقافات الاخرى في المحيط الجغرافي. الانصهار والذوبان العديد من التفاعلات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية ساهمت في توطيد النمو المستمر للمحتوى الثقافي في الخطاب السياسي العالمي والمحلي على حد سوء, فخلال العقود الاربعة التالية للحرب العالمية الثانية التي اصطلحت الادبيات السياسية الدولية على تسميتها بسنوات الحرب الباردة, تنازع العالم كتلتان اساسيتان. الكتلة الاشتراكية بقيادة موسكو من جانب, والكتلة الرأسمالية بزعامة واشنطن من جانب آخر, وان وجود اكثر من مركز واحد للقوة على المستوى العالمي في ذلك الحين اضعف بشكل كبير من بروز الرقم الثقافي في المعادلة السياسية الدولية, او النظر الى الخصوصية الثقافية باعتبارها عاملا محوريا في تحديد الهوية او صياغة العلاقات الكونية. فالتفكير الايديولوجي يتحدد دوما لا بالمعطيات الموضوعية التي يتخذها موضوعا له بل اساسا بـ (الآخر) الذي يتميز عنه وينافسه ويصارعه. فالشعوب لا تتخوف غالبا من الانصهار في (الآخرين) بصفة الجمع بل تخشى الذوبان في (الآخر) بالمدلول المفرد للكلمة. ونظرا لتعدد مراكز القوة في فترة الحرب الباردة وظهور مجموعة عدم الانحياز في وقت لاحق, فان التميز الثقافي لم يطرح باعتباره مفهوما محددا للهوية بذات الدرجة من القوة التي يطرح بها حاليا. غياب الآخر بصفة المفرد كان عاملا قويا في اضعاف الاحساس بالأنا وعدم تبلورها, فالوعي بالأنا لا يتم عبر الذات بل من خلال الاحتكاك بـ (الآخر) والصراع معه. وكان لتنوع النماذج الثقافية المطروحة في مرحلة القطبية الثنائية دورا اساسيا في انه ابعد عن اذهان النخب الثقافية في بلدان العالم الثالث الاحساس بخطورة التحدي الثقافي او امكانية طغيان نموذج على أخر بما يهدد المنظومة الثقافية المحلية بالتآكل. بيد أن تعدد مراكز القوة ـ ومن ثم النماذج الثقافية ـ ابان الحرب الباردة انتفى بتفكك الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي. وبهذا اصبحت (الانا) في مواجه مباشرة مع (الآخر) ومن ثم كان عليها التبلور والاعلان الرسمي عن ذاتها خشية الانصهار او الانهيار. وأضحت النخب الثقافية في العديد من بلدان العالم الثالث في حالة من القلق الدائم لعدم قدرتها على مجابهة التحديات التي يطرحها النموذج الثقافي الامريكي من قيم, علاوة على سرعة الطرح وكثافته في آن واحد. على صعيد آخر ساهم مستوى التقدم التكنولوجي السائد في سنوات الحرب الباردة بدور هام في تفادي طغيان المكون الثقافي لعملية التصارع الدولي, فمحدودية وسائل الاعلام والاتصال في تلك الفترة مقارنة بالثورة الراهنة في هذين المجالين, ساعدت على كبح احساس النخب السياسية والمواطن في بلدان العالم الثالث بتعرض قيمه الثقافية وتراثه للتهديد او الاضمحلال. فهامشية وسائل الاعلام البصرية وغياب الفضائيات والطابع الشمولي لانظمة الحكم في اغلبية بلدان العالم الثالث ضيق الخناق على امكانية نفاذ اي رؤى او قيم ثقافية مخالفة للحس الشعبي العام او لاختيارات النخب الفكرية النافذة, وما كان يتم الترويج له رسميا يتخذ غالبا طابعا صفويا لم يصل الى الريف او البادية في اغلب الاحيان, وظل محصورا في بعض المناطق بالعواصم او المدن الكبرى. وحتى طبيعة الخطاب الثقافي الوارد الى بلدان العالم الثالث من الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية لم يأخذ الطابع العدواني الذي نشهده حاليا من قبل الاعلام الغربي الذي لا يتوانى وبشكل مكثف ومتواصل من انتقاد المنظومة الثقافية للاخرين وتحديدا البلدان النامية, وربما كان مرجع ذلك خشية الغرب ـ في ذلك الحين ـ ان تؤدي عدوانيته الى رد معاكس يدفع الى المزيد من الاقتراب من المعسكر الآخر المنافس. تقنيات الصراع الثقافي تحليل الطابع التقني للصراع الثقافي العالمي امر هام عند تقيم ابعاد الاحتكاك الثقافي بين المجموعات البشرية المختلفة, فبالنظر الى الادوات الوظيفية التي تلجأ إليها الثقافة الغربية في الترويج لقيمها الفكرية يمكننا التعرف بدقة على حجم المخاطر والتحديات التي تطرحها امام المنظومات الثقافية لبلدان العالم الثالث والعالم العربي من بينها. فالكتابة او الكلمة المقروءة ليست من الادوات الوظيفية الرئيسية للثقافة الغربية وتحديدا الامريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة, والنظام السمعي ـ البصري, اضحى المصدر الفاعل لانتاج وترويج القيم الفكرية الجديدة وتشكيل الوعي الجماهيري والذوق والوجدان. ويعد التلفزيون تحديدا الوسيلة الاساسية للاعلام المرئي وحجر الاساس في آلية الترويج. وهذه الوسيلة التقنيه التي تعتمد على الصورة كمحور لها لاتعد (وسيلة) تكنولوجية محايدة تهدف الى التلقين فقط, بل انها نسق متكامل (لتحديد) كيفية ادراك العالم وفهمه ومن ثم التفاعل معه ومع قضاياه. ويعتقد (رايموند ويليامز) في كتابه طرائق الحداثة ان الثقافة الراقية يمكنها الاستمرار على مستوى متدن من التكنولوجيا, اما التكنولوجيا المتقدمة فليس بالضرورة ان تقدم لنا ثقافة راقية بل على العكس فانها قد تساهم في الترويج لثقافة متدنية. وتبدو صحة هذه المقولة عند تقييم مستوى التنمية الثقافية والقيمية التي تروج لها الآلية التلفزيونية, فالرسالة الراسخة مع اتساع نطاقات البث التلفزيوني زمانيا (عدد ساعات البث) ومكانيا (تعدد مراكز البث) تبدو برحابة في الجغرافيا وضمور مروع في العمق المعرفي. فالسطحية والهزالة تغرق المحتوى الثقافي للموضوع, واذا كان الامر في احيان كثيرة مرجعه ضيق الفترة الزمنية المتاحة لتغطية حدث ما, فان طبيعة البث التلفزيوني كآلية تعتمد على (التقطيع) السريع للصورة, والتنوع الخبري, وتغطية اكبر كم ممكن من الاحداث, يدفع تلقائيا الى اختزال الخبر وتسطيحه. فعلى سبيل المثال يصعب على التقرير الاخباري المعروض تلفزيونيا ان تتجاوز مدته دقيقتين او ثلاث, وبالطبع لاتعد تلك فترة زمنية كافية لتحليل القضية محل النقاش بصورة متعمقة ومن كافة الابعاد, وعلاوة على ذلك, فان الربط بين الكلمة والصورة الذي يعد شرطا اساسيا لنجاح التقرير الاخباري يحد تلقائيا من قدرة كاتب التقرير على التعمق في صلب الموضوع المطروح للمناقشة. ولكن الاكثر خطورة سرعة الصورة التلفزيونية في حد ذاتها وبما لايتيح الفرصة للمشاهد للتأمل بدقة في جوانبها المختلفة مما يرسخ صورة هشة وغير مكتملة للحدث في ذهن المشاهد, كما ينمي الرغبة السريعة غير المتأنية في الاطلاع والمعرفة, وهذا تحديدا ما يجعل من المصعب على (مدمني) مشاهدة التلفزيون استقاء المعرفة من وسائل اخرى اكثر عمقا تتطلب التأني والمثابرة. اضف الى ذلك تشتت قدرات وحواس المشاهد بين الابصار والسمع والتفكير واحيانا التعليق على الحدث, فكل هذا يضعف القدرة الذاتية على استيعاب اعماق الخبر, فمن المرجح ان تركيز القدرات الذهنية في حاسة الابصار اثناء عملية القراءة على سبيل المثال يؤدي الى التفحص الدقيق ونتائج اكثر عمقا وتفهما لما يتم الاطلاع عليه. المفتاح السحري الصورة اليوم هي المفتاح السحري للآلية الثقافية الجديدة التي تسمح باعادة تعريف وعي الانسان بالعالم المحيط به من حيث الشكل والتفاعل, فالصورة بمفردها ودون دعمها بالكلمة خطاب سياسي متكامل, وهي بذلك تفوق الكلمة تأثيرا وفاعلية, وبقدر مساهمتها في (دمقرطة) الثقافة وجعلها اكثر ذيوعا وانتشارا فإنها جعلتها اكثر سطحية وتهميشا. ففاعلية الكلمة ظلت عبر التاريخ محدودة بقدرة المتلقي اللغوية وقدراته الثقافية مما اضفى عليها طابعا نخبويا باشتراطها حدا ادنى من المعرفة الثقافية, اما الصورة فعلى خلاف تام من ذلك فإنها تفترض غياب المعرفة الثقافية المسبقة, بل ان نجاحها في كثير من الاحيان يتطلب غياب هذا الحد الادنى من المعرفة الثقافية واللغوية وهذا ما يفسر تحديدا النجاح منقطع النظير الذي حققته قناة (سي.ان.ان) التلفزيونية ابان حرب الخليج من ارتباط مشاهدين غير ناطقين باللغة الانجليزية بها. بطبيعة الحال فان مستوى التطور التكنولوجي الذي ساد في سنوات الحرب الباردة جعل (الصورة) حكرا على السلطة الوطنية والنخب الثقافية التي كانت في يدها عملية القبول او الرفض او الانتقاء, فعملية توزيع (الصورة) في ذلك الوقت ارتبطت بالشراء وابرام العقود, ولم يكن في قدرة وسائل البث او الاتصال الدولية الترويج لمنتجاتها من الصور دون تصريح من السلطة المحلية. اما اليوم, فاننا امام وضع مختلف جوهريا فالنجاحات التكنولوجية التي حققت في مجال التوظيف التقني للاعلام السمعي والبصري تهمش الحدود تماما, وتجعل منها الى حد كبير احد مخلفات الماضي. فقد اتسع نطاق البث عبر الاقمار الاصطناعية, واضحى في مقدرته نقل المادة ـ الصورة الى كافة الاقاليم والاصقاع بيسر وسهولة. وبطبيعة الحال فان المركز المسيطر على النظام الكوني يطرح نموذجه الثقافي بقوة, مستخدما في ذلك ما لديه من آليات تكنولوجية تساعده على عملية الترويج, وبقدر ما يبث من ساعات ارسال وموضوعات فانما يبث ايضا القلق والخوف لدى الصفوة الثقافية والسياسية بعدم القدرة على مواجهته والاحساس المتزايد بفقدان سطوتها السابقة على توجيه وتحريك الجماهير. بيد ان خطورة النظام السمعي البصري وتحديدا الصورة بوصفها عصب هذا النظام تكمن في طرح مفاهيم ثقافية تنمي منظورا قيميا يقع خارج حدوده الطبيعية ووظيفته المحددة سلفا, والتلفزيون تحديدا طرح علينا مفهوما ثقافيا جديدا ينفي كون الثقافة محصلة تفاعل رباعي الابعاد بين الذات والذات, والذات والمجتمع, والذات والطبيعة, والذات في سعيها للبحث عن الخالق. ومن ثم فان جوهر التجربة الثقافية تتحول الى ابداع مجتمعي خاص للبحث عن اجابة للمشاكل والمعضلات التي تواجه مجتمعا محددا خلال فترات زمنية طويلة. فثقافة مجتمع ما تعبير عن المحيط المجتمعي ذاته. الا انه بواسطة الصورة التلفزيونية ـ وعبر البث المكثف وخاصة بالنسبة لنا نحن ابناء المجتمعات المستوردة لهذه الصورة ـ يتم ترويج وترسيخ منظومات مختزلة ومشوهة لأفكار وقيم لم تولد من رحم التطور المجتمعي, وانشاء وعي زائف من خلال منظومة قيمية لا تقيم صلة بين الثقافة والنظام الاجتماعي, بل احيانا تطرح قضية لا تعد في حقيقتها مؤرقة للمجتمع مما يؤدي الى تشتيت الانتباه والتحول الى قضايا فرعية وتجاهل الاحتياجات المحلية لمجتمع ما. ومن المؤكد ان الفجوة واتساعها بين المكون الثقافي بوصفه عنصرا تابعا والتطور الاجتماعي باعتباره عنصرا مستقلا, ستولد انواعا اخرى من الفجوات والخلل في البنية الاجتماعية تراكم المزيد من التشوهات التي تضاف الى جوانب العجز الاصلي الناجم من عدم اكمال عملية التحديث والنهضة.