للعرب الحق في المشاركة بتقرير حاضر العالم ومستقبله, ومرجع هذا الحق انتماؤنا إلى حضارة عريقة ومشرقة وثرية وكوننا جزءا كبيرا من البشرية والموقع الهام للأراضي العربية وحتى يستطيع العرب ان يقوموا بهذه المشاركة يجب ان يؤكدوا ذاتهم, ويحدث تأكيد الذات إذا كسروا القيود التي تكبلهم على الساحة الدولية . وتشمل تلك الامكانات والطاقات حسن استغلال الموارد الاقتصادية والطبيعية, وحسن تصريف شؤون الحكم والاستفادة من فكر العلماء والخبراء وجعل فكرهم جزءًا لا يتجزأ من عملية اتخاذ القرار ومن عملية تنفيذه وتطبيق التكنولوجيا الحديثة بما يتفق مع المصلحة العربية العليا, كما ان التقريب بين الحكام وأفراد الشعب من شأنه ان يعود بالنفع على الجميع, وان يعزز مركز الممسكين بزمام السلطة الرسمية وغير الرسمية وان يزيد من التماسك الاجتماعي, ولتحقيق ذلك التقريب يجب على أفراد الشعب والممسكين بزمام السلطة ان يفهموا طبيعة العلاقات بينهم. ويمكن للتقريب بين الحكام وأفراد الشعب ان تنظم ندوات يحضرها المفكرون ورؤساء الدول ورؤساء الحكومات لاجراء الحوار الموضوعي الهادئ الجاد دون مجاملة, والمقصود بالحوار هنا, ليس طرح الأسئلة ولكن المخاطبة الفكرية والنفسية بين المفكر والمسئول في شتى المجالات الهامة, ويتضمن ذلك الحوار قضايا تهم العرب انفسهم وتهم العرب وغير العرب. ومما من شأنه ان يقرب بين مواقف المتولين للسلطة وأفراد الشعب اقامة جهاز تنفيذي يقوم بنقل قرارات وتوصيات اللقاءات العلمية إلى الهيئات الحكومية المعنية لتقوم هذه الهيئات بالنظر فيها أو لمتابعتها وتنفيذها أو تنفيذ قسم منها على الأقل. ومن المستحسن ان يكون ذلك الجهاز جهازا مشتركا بين الحكومة ومؤسسات علمية وأكاديمية وفكرية غير حكومية ليجمع ذلك الجهاز السلطة التنفيذية والهيئات ذات المعرفة, ولتأمين قدر أكبر من الاهتمام بقرارات وتوصيات هذه اللقاءات من الأفضل ان ينقل ذلك الجهاز تلك القرارات والتوصيات إلى المسئولين على شكل أوراق موجزة لا يتجاوز طول الورقة منها بضع صفحات. ويستتبع تحقيق الذات العربية حشد الارادة السياسية العربية, فالقيود التي تقيد الذات العربية قيود داخلية من قبيل الاستبداد الاجتماعي والفقر والأمية والمرض والفساد البيروقراطي, وقيود خارجية من قبيل تحكم جهات اجنبية بالآليات التي تنظم نشاط السوق على الساحة الدولية. وانعدام تحقيق الذات العربية وعدم حشد الارادة السياسية يسهمان في التشتت القومي, وتفتت الجهود العربية الرامية إلى تحقيق الذات وحشد الارادة, وذلك كله يسهم في عدم تحقيق التنسيق السياسي والاقتصادي. العولمة والمعلومات ومما له صلة بإمكان تأكيد الذات العربية حدوث المنافسات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تزداد حدة على الساحة الدولية, وعلى هذه الساحة يتزايد الوعي بأن مفاهيم من قبيل التأثير والغزو والسيطرة والتحكم والقوة يمكن تحقيقها بالوسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والتكنولوجية دون الحاجة إلى اللجواء إلى الوسائل العسكرية. ومما يزيد من هذه المنافسات, ومن أثر الدول والكيانات في هذه المنافسات اختراع وسائل نقل المعلومات فائقة السرعة, وعلى وجه الخصوص الكمبيوتر والشبكة الدولية (الانترنت) ففي خضم هذه المنافسات المستعرة على تحقيق التأثير وجمع الثروة وتأكيد الذات القومية تأتي المنافسات على حساب الدول والشعوب الأضعف التي تفتقر إلى مصادر التأثير والنفوذ والقوة من قبيل حسن التنظيم وحسن الادارة والقاعدة الأساسية العلمية والتكنولوجية القوية واستعمال وسائل نقل المعلومات, فتزداد تلك الدول والشعوب الضعيفة ضعفا, وتزداد تهميشا, وتتعزز تبعيتها للغير, وتأتي الحلول بين الدول العظمى على حساب تلك الدول الضعيفة. ومما له أيضا صلة بإمكان تأكيد الذات العربية ظاهرة العولمة التي أصبحت موضوع حديث الناس في شتى أرجاء العالم, بما فيه العالم العربي, وللعولمة جوانب سلبية وجوانب ايجابية, ان الجانب الخطر في العولمة هو انه ليس لدى العرب في الوقت الحاضر القدرة على التصدي الناجع للآثار المترتبة عليها في شتى مجالات الحياة, ولهذا الافتقار إلى القدرة يمكن للعولمة ان تضعف ميزات الشعب العربي وخصوصياته أو ان تقضي عليها, فمن أجل التصدي لآثار العولمة يجب ان تكون لدينا القدرة على المنافسة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والعلمية, ولكن من الصعب في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة على العرب وغيرهم من الشعوب النامية امتلاك هذه القدرة لأنهم لا يمتلكون وسائل التحكم بالنشاط التجاري والمالي الدولي ولكن يتحكم غيرهم بهم. تكتل اقتصادي وللتصدي للآثار السلبية المترتبة على العولمة من اللازم انشاء سوق عربية مشتركة أو تكتل عربي اقتصادي حيث يشهد العالم نشوء تكتلات اقتصادية اقليمية, مما يعطي قوة للدول الأعضاء في تلك التكتلات. ويمكن لتكتل اقتصادي عربي ان يكون ناجحا بالنظر إلى تكامل اقتصادات البلدان العربية, ويستند هذا التكامل إلى تنوع الموارد الطبيعية والاقتصادية, من الثروات المعدنية والسمكية والمائية والأراضي الزراعية ووقوع الأراضي العربية في مناطق جغرافية مختلفة, مما يسهم في تنوع النباتات المزروعة وتنوع مواسمها الزراعية والمنشآت الصناعية والموارد والكفاءات والمهارات البشرية. ومن شأن تنوع الموارد الطبيعية ان يسهم في تعزيز التجارة بين الدول العربية, مما من شأنه ان يسهم بدوره في تعزيز التكامل الاقتصادي العربي, وبزيادة حجم التبادل التجاري بين الشعوب العربية يقل اعتماد العرب على التجارة مع دول أجنبية, وتزداد قدرة العرب على المنافسة على الساحة الدولية. وباستغلال التكامل الاقتصادي العربي, بما في ذلك زيادة حجم التبادل التجاري, يتعزز نفوذهم ويصبح تحقيق هذا التكامل اداة سياسية في يد العرب, وبامتلاك العرب للنفوذ المستند إلى عوامل من أهمها التكامل الاقتصادي والتجارة بينهم يصبح من الأصعب على جهات فاعلة أجنبية ان تتهاون في المصالح الاقتصادية والاستراتيجية العربية وفي ألا تراعي الموقف العربي. وبتحقيق التكامل الاقتصادي العربي يحقق أبناء الشعب العربي الرفاهية الاقتصادية, مما يسهم في نشوء الطبقة الوسطى ويقلل الضغط الشعبي على الحكومات التي تشاهد الضائقة المالية التي تعاني الجماهير منها, وبتحسين أفراد الشعب لظروفهم المعيشية أو بتحقيق الرفاهية لهم تتعزز قوتهم السياسية, مما من شأنه ان يشكل عاملا في المواقف التي تتخذ حكومات أجنبية حيال الدول العربية, وبتحقيق التكامل الاقتصادي العربي يمر العرب بتجربة اتخاذ تدابير تتضمن مفهوم التنسيق مما من شأنه ان يعطيهم فكرة عملية عن هذا المفهوم. وفي هذا العالم الذي نعيش فيه لا يصح التهرب من مجابهة الواقع ودراسة كيفية التصدي له, ففي الواقع القوة هي العامل الرئيسي الذي يبت في القضايا, ولدى تغيب صاحب القضية تبت الجهات الفاعلة السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية التي تشهد المنافسة القوية في القضايا دون مراعاة قضية طرف من الأطراف أو على حساب تلك المصلحة حتى لو كانت عادلة. وبدلا من التهرب من الواقع تجب مواجهته التي تستلزم الحضور والمشاركة الفعالة التي تسهم في البت بالقضايا اسهاما بدرجات متباينة, وعن طريق المشاركة يؤكد الطرف المعني ذاته وموقفه, ويملأ فراغا لو كان غائباً عنه سيملؤه غيره, وحتى تكون المشاركة أشد فعالية يجب ان يتمتع الطرف المشارك بالقوة الاقتصادية وان يكون مستقلا وليس تابعا من الناحية الاقتصادية وان يكون واثقا بنفسه.