منذ عام 1992, وقع المرشحون الجمهوريون لخوض سباق انتخابات الرئاسة الامريكية في صراع شد وجذب بين اليمين الديني وحزب الاصلاح. وقد يكون العام الحالي هو العام الذي يقدر لهم فيه الافلات من هذا الصراع. وهذه الانقسامات التي تعرض لها الحزب الجمهوري خلال حملتي الانتخابات الرئاسية الاخيرتين تبدو واضحة من جديد في حملة هذا العام. ولكن ربما تتجلى على نحو بالغ الاختلاف, فمنذ شهدت حملة عام 1988 بروز الجناح اليميني الديني كقوة سياسية منظمة, وقعت الانتخابات الاولية الرئاسية اسيرة لضغوط هذه القوة. وعلى الرغم من زعم هذه الحركة انها تمثل تراث الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان, الا انها لم تظهر الا القليل من تفاؤله وجاذبيته الجماهيرية. وفي احيان عديدة ظهر اليمين الديني بمظهر المتصلب, بل ومضى يروج لنزعة اخلاقية يمكن ان تكون متعسفة وبعيدة عن التسامح. وبالاضافة الى هذا, فان الحملات الثلاث الاخيرة قد شهدت كذلك التداعي المستمر لدعم الرأي العام للحياة السياسية, بشكل عام, واقترن ذلك بنسب محدودة من الاقبال على الادلاء بالاصوات في الانتخابات, وبعداء متفاقم للسياسيين وللحكومة ذاتها. وهذا الميل نحو العداء للمؤسسة فتح المجال لترشيح بوكانان في عام 1992. وقد تطابق الجهد الذي بذله بوكانان مع نداء موجه لمخاطبة النزعة الاخلاقية التقليدية وكذلك مع رسالة اقتصادية جماهيرية. وقد ادى تحديه للرئيس جورج بوش في الانتخابات الجمهورية الاولية في ذلك العام الى اضعاف محاولة بوش لتحقيق انتخابه لفترة رئاسية ثانية. وقد انتقل العديد من الناخبين الغاضبين المعادين للمؤسسة الذين دعموا بوكانان خلال الانتخابات الاولية في عام1992- انتقلوا لتأييد حملة روس بيرو المستقلة في ا نتخابات نوفمبر العامة. وقد اختلف بوكانان وبيرو حول بعض القضايا الاجتماعية, ولكنهما كانا من السياسيين المعارضين لمبدأ ممارسة الحياة السياسية وفقا لما هو مألوف, وكانا معاديين لنزعة الحماية فيما يتعلق بالمسائل التجارية. وكانت القوة المتصورة التي تمتع بها اليمين الديني بالغة الى حد انه في عام 1996, قام السناتور بوب دول باعادة صياغة شخصيته السياسية, وتبنى جانبا كبيرا من جدول اعمال اليمين في محاولة من جانبه لاستثمار هذه الحركة. وقد كان من المعتقد ان تأييد اليمين الديني ضروري لكي يتمكن مرشح بعينه من التحول الى المرشح الرسمي عن الحزب الجمهوري. وقد واجه دول بوكانان, وفاز في مواجهته له, ولكنه بعد ان انتقل الى اليمين الى هذا الحد للفوز بترشيح الحزب, لم يستطع بسهولة العودة الى الوسط مجددا ليفوز في انتخابات نوفمبر ضد بيل كلينتون. ولم يؤد فوز قوى الجناح اليميني الذي افضى الى السيطرة على الكونجرس في انتخابات 1994- التي لم تشهد اقبالا كبيرا من الناخبين- واصرار هذه القوى على الايغال في الاتجاه يمينا بالحزب الجمهوري إلا الى جعل فرص الحزب في الفوز في حملتي 1996 و 2000 اكثر صعوبة. وقد اختارت المؤسسة الجمهورية هذا العام المرشح جورج بوش وبدا انها عقدت العزم على الا تكون اسيرة جدول اعمال اليمين الديني الضيقة. وقد اعلن بوش من خلال تحديد فلسفته على انها النزعة المحافظة المتعاطفة وباعلان انه لن يختار الاختبار المتعلق برفض الاجهاض كأساس لترشيح نائبه او احد قضاة المحكمة العليا- اعلن انه قد عقد العزم على انه يحتل ارضا وسطا, وألا يسمح للجناح اليميني بتهميش الجمهوريين. وكان بوش قد تعرض مبدئيا للتحدي من احد عشر سياسيا جمهوريا يأملون في خوض السباق الرئاسي, عكس اربعة منهم النزعة الاخلاقية التقليدية لليمين الديني, وهم نائب الرئيس الامريكي الاسبق دان كويل, الان كيز, وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيوهامبشاير بوب سميث, وجاري بوير. ومن هذه المجموعة فان كيز وحده هو الذي يظل مرشحا. ولكن الجهد الذي يبذله يظل في افضل الاحوال جهدا هامشيا. وقد ترك مرشح خامس هو بات بوكانان السباق في وقت مبكر. وهو يهدد الان بخوض غمار السباق كمرشح عن حزب الاصلاح, موجها رسالة معقدة تشمل النزعة الشعبية المناهضة للمؤسسة ونزعة الحماية التي تقول بها حركة الاصلاح, وموقفا قويا مناهضا للاجهاض يحبذه اليمين الديني. وهناك ثلاثة اخرون تركوا السباق هم جاك كيمب المرشح السابق لمنصب نائب الرئيس, واليزابيث دول, ولامار الكسندر. وقد كان يمكن ان يخوضوا غمار حملات انتخابية تنتمي الى الوسط, تشبه تلك التي تصورها بوش. غير ان جهودهم لم يقدر لها التوفيق, بسبب الدعم المالي والسياسي الكاسح الذي اعطته المؤسسة الجمهورية لبوش. والمرشحان الاخران من بين الاثني عشر مرشحا اصليا هما الملياردير ستيف فوربس وجون مكين عضو مجلس الشيوخ عن ولاية اريزونا. وقد كان ترشيح فوربس في عام 1996 قائما على رسالة قوامها ضرورة خفض الضرائب وتحقيق النمو الاقتصادي. ولم يفلح هذا الترشيح في الحصول على تأييد واسع النطاق. وحاول فوربس هذا العام تبني الرسالة الاخلاقية الخاصة باليمين المتطرف في محاولة من جانبه لاستثمار تلك الحركة. وقد اخفق هذا التوجه كذلك, واجبر فوربس على الانسحاب من السباق الانتخابي. والتنافس الجمهوري هو في حقيقة امره الان سباق بين رجلين, هما بوش ومكين. وقد سعى مكين, شأن بوش, لاعلان استقلاله عن اليمين الديني. ويحظى مكين بسجل قياسي من الاقتراع لصالحه من قبل المحافظين, فيما يتعلق بمعظم القضايا. وقد قام بتوسيع نطاق جاذبية ترشيحه باضافة رسالة شعبية ودعوة للاصلاح مناهضة للمؤسسة. وقد ادى فوز مكين في نيوهامبشاير الى زعزعة اساس السباق الجمهوري بأكثر من معنى. فهو اما ان يسبق جورج في بعض الولايات او يلحق به في ولايات اخرى سريعة وفي الوقت نفسه, اضطر بوش في محاولة من جانبه لايقاف بروز حملة مكين الى تغيير طرحه السياسي بشكل كبير. ولكي يفوز بوش في الانتخابات الاولية البارزة التالية والتي ستجري في ساوث كارولينا, بدا ان بوش على استعداد للتخلي عن دعوته لـ (النزعة المحافظة المتعاطفة) وطور رسالة محافظة اكثر وضوحا ومباشرة. ومن المعتقد ان ساوث كارولينا خلافا لنيوهامبشاير التي حبذت تاريخيا الحملات المستقلة, هي ولاية محافظة بصورة تقليدية اكبر. وقد القى بوش خطابه الاول في ساوث كارولينا في مقر جامعة بوب جونز, وهو خطاب يشعر البعض بانه ديني على نحو قوي, ويعكس افتقارا للتسامح وميلا للمؤسسة واذا نجح بوش في الجهود التي يبذلها للفوز في ساوث كارولينا فانه قد يوقف قوة دفع مكين ولكنه بظهوره بمظهر من تخلى عن الوسط, وتبنى خطا محافظا اشد صرامة, فانه كذلك يكون قد جعل فرص فوزه في انتخابات نوفمبر اقل. ويعد الاندفاع الجماهيري المناهض للمؤسسة والخاص بحملة مكين تحديا مباشرا لليمين الديني ولنخب الحزب الجمهوري, ولكن الامر لايقف عند هذا الحد, فهو قد يشكل خطرا على حزب الاصلاح كذلك. وعلى الرغم من اختلافه مع بيرو وبوكانان في موضوع التجارية الحرة, حيث ان مكين يؤيد انغماس الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية وفي النافتا, لا ان جانبا كبيرا من رسالة مكين قد برهن على انه يخاطب بعض الناخبين الذين كانوا في السابق لايميلون للتأثر بالنداءات ويشعرون بالاغتراب عن الحياة السياسية بل ان رسالته ومنهاجه النشط في التعامل مع الحياة السياسية قد ساعد في استقاطب الناخبين انفسهم الذين سبق لهم ان ايدوا بوكانان وبيرد في 1992و 1996. وجاء في تحليل لنتائج انتخابات نيوهامبشاير الاولية ان مكين قد ابتلع حزب الاصلاح في هذه الولاية, وهذا يعطي بعض الامل للجمهوريين في حملة العام الحالي, فاذا قدر لمكين ان يفوز بترشيح الحزب الجمهوري فان القضايا المتعلقة بالعداء للمؤسسة وبتمويل الحملة الانتخابية تكون قد انتزعت من تحت اقدام حزب الاصلاح, وفي تلك الحالة فان القضايا الوحيدة التي يمكن لمرشح جمهوري ان يخوض غمار السباق الانتخابي على اساسها ويحصل على اصوات الجمهوريين ستكون الكيان الغريب الموحد المؤلف من المعارضة للاجهاض والمعارضة لحرية التجارة, وهذا هو ماستفعله حملة بوكانان, ولكن مع انتزاع مكين لجانب كبير من جاذبية بوكانان والاصلاح, فسوف يكون من المحتمل بشكل اكبر ان يستقطب مكين الناخبين المستقلين, الذين كان يمكن لولا ذلك الا يقترعوا, وان يؤيدوا حزب الاصلاح. وهكذا فانه يبدو ان الحزب الجمهوري قد عثر في شخص مكين على مهرب من حالة التمزق التي الحقت الضرر بجهوده على المستوى القومي منذ النجاحات التي حققها رونالد ريجان في الثمانينيات. وقد يتمكن الجمهوريون , مع تشتت اليمين الديني وتمكن رسالة مكين الاصلاحية والجماهيرية من انتزاع جانب من قوة الحركة الاصلاحية, من السيطرة على بعض الارض الوسيطة للسجال السياسي الامريكي, وهذا لايعني ان مكين معتدل فيما يتعلق بمعظم القضايا السياسية, وفي حقيقة الامر فانه متحفظ للغاية فيما يتعلق بالعديد من الموضوعات السياسية الداخلية والخارجية, ويتشبث ببعض الاراء بالغة التشدد فيما يتعلق بالشرق الاوسط. ولكن مكين حتى الان وفي اطار الانتخابات الاولية لعام 2000 تمكن من ان يحدد مواقفه حول بعض القضايا الكبرى. ولم تؤد الطريقة التي قامت المؤسسة الجمهورية بمهاجمته بها في اطار حملة بوش الا الى تقوية خطابه. وفي ضوء المزايا التنظيمية والمالية التي يتمتع بها بوش, فانه لايزال من الممكن بالنسبة له ان يهزم مكين, وهذا هو السر في ان بوش يهاجمه الان بقوة, غير ان الخطر بالنسبة لفرص فوز الجمهوريين في انتخابات العام الحالي هو ان بوش في غمار عملية الحاق الهزيمة بمكين قد يضع نفسه في ركن ضيق بين المؤسسة والنزعة المحافظة. وقد يؤدي هذا الى فوز بوش بترشيح الحزب الجمهوري له, ولكنه في غمار القيام بهذه العملية قد يدعم جهود حزب الاصلاح ويتخلى عن الارض الوسط في السجال السياسي الامريكي للمرشح الديمقراطي. والاختبارات التي ستشهدها ولايات ساوث كارولينا وميتشجان واريزون جديرة بالمتابعة لالمعرفة من الذي يفوز في انتخابات هذه الولايات ولكن لرصد الكيفية التي سيفوزون بها ايضا.