من المستحيل فهم أي مسلك لأي زعيم سياسي من زعماء جنوب السودان بمعزل عن انتمائه القبلي. وريك مشار, أحد القادة الجنوبيين المتحالفين مع نظام الحكم السوداني, ليس استثناء من هذه القاعدة. والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: هل يمكن أن يكون لابتعاد مشار عن السلطة في الخرطوم تأثير عملي مصيري على مجمل اوضاع الجنوب؟ ريك مشار ينتمي الى قبيلة (النوير) ثاني اكبر قبيلة في الجنوب. وقبل أن يعود الى الخرطوم عام 1997 للتوقيع (مع قادة فصائل اخرى) اتفاق سلام مع الحكومة كان مشار أحد ثلاثة قادة رئيسيين في (الحركة الشعبية لتحرير السودان) انشقوا على جون قرنق من منطلق حزازات قبيلة او تنظيمية. القائدان الآخران هما, أولا, لام أكول الذي يقود فصيلا من مقاتلي قبيلة (الشلك) , وثانيا أروك أنطون.. وهو مثل قرنق ينتمي الى قبيلة (الدنيكا) (قتل اروك في حادثة طائرة) لكنه كان يتذمر من نهج قرنق الاستبدادي في العمل التنظيمي. وصفوة القول ان مشار عندما قرر الانسلاخ عن قرنق و(الحركة الشعبية) كان ينظر في مآل قضية الجنوب بعين المستقبل متخوفا من أن تحقق تسوية سلمية بين الخرطوم و(الحركة الشعبية) في وقت ما من المستقبل سوف تقود بالتداعي التلقائي لتسليم حكم الجنوب كله الى قبيلة واحدة.. قبيلة الدنيكا التي يمثلها قرنق. هذا التخوف هو الذي دفع بمشار ليس فقط للانشقاق عن قرنق وانما أيضا لتوقيع اتفاقية سلام مع الخرطوم كضربة استباقية تحوطية لاي احتمال مستقبلي بانفراد الدنيكا بحكم الجنوب. فماذا جرى بعد توقيع اتفاق الخرطوم؟ لمدى السنوات الثلاث الأخيرة ظل مشار, بتشجيع من النظام الحاكم, يتصرف سياسيا ودعائيا كما لو أنه الحاكم الفعلي لعموم الجنوب, ناسيا او متناسيا انه مثل قرنق لا يمثل الا قبيلة واحدة.. هي في هذه الحالة قبيلة (النوير) . ورغم أن مشار حظي بمنصب مساعد رئيس جمهورية السودان ومنصب رئيس مجلس التنسيق لجنوب السودان الا أن نفوذه العملي لم يتجاوز الحدود الجغرافية لقبيلة (النوير) في إقليم اعالي النيل الذي لا يمثل الا ثلث مساحة الجنوب أو أكثر قليلا. كان هذا في حد ذاته احباطا بقدر كاف لمشار. لكن تفاعل الاحداث الداخلية في السودان مع التطورات الاقليمية الخارجية أحرز تطورا زاد من إحباط مشار. فقد بدا خلال الشهور الأخيرة وكأن الخرطوم تخلت عن المبدأ الاساسي الذي بنيت عليه بنود اتفاقية الخرطوم للسلام التي كان ريك مشار في مقدمة الموقعين عليها. ذلك هو مبدأ (تقرير المصير) لشعب جنوب السودان. وفي هذا السياق لا يملك المراقب الموضوعي الا أن يتفهم غضب ذلك القائد الجنوبي. والذي جرى هو أن الحكومة السودانية, في سبيل تحقيق نقلة نوعية في علاقاتها مع مصر, اضطرت للتضحية بمبدأ تقرير المصير للجنوب. وسواء كانت هذه التضحية (تكتيكية) مرحلية او نهائية فان الحكومة السودانية فضلت استرضاء مصر فيما يتعلق بمستقبل الجنوب. ان مصر تعارض بثبات, ولأسباب تتعلق بمسألة مياه النيل, أي توجه لحل مشكلة جنوب السودان يمكن ان يتضمن احتمال انفصاله. وتخلي حكومة السودان عن مبدأ تقرير المصير للجنوب أخذ يتبلور ابان معركة السلطة الداخلية بين الرئيس البشير ود. الترابي عندما دخلت القاهرة على الخط لدعم البشير على أساس صفقة سياسية يبدو أن التخلي عن مبدأ تقرير المصير كان أحد بنودها. ان مبدأ تقرير المصير هو العقيدة السياسية لريك مشار, وغضبه في هذه الحالة مفهوم لكن ما هي الخطوة التالية؟ اذا عاد مشار الى صفوف حركة قرنق فانه سوف يستقبل كزعيم مهزوم سياسيا.. وايضا كزعيم من قبيلة النوير غير جدير بالثقة. ثم ان لدى مشار من (الكارزما) وقوة الشخصية والصفات القيادية مما لا يجعل قرنق متحمسا لاستقبال قائد منافس.