فقدت كلمة (الثورة) بريقها الذي ظلت اجيال متتالية من العرب مبهورة به, ومشدودة اليه, وساعية في طريقه بلا كلل ولا تردد, يوم كانت (الثورة) واحة المسافر الذي اضناه التجوال وكاد الظمأ يقتله, ومستقر احلام المقهورين والمظلومين, وأمل المستذلين المهانين, ومن يعانون من نقص القوت وانعدام العدل, وقلة الحرية, ومرفأ الذين لا يضنيهم شيء من هذا كله, لكن ضميرهم اليقظ, جعلهم يشقون بشقاء الآخرين وقادهم الى طريق النشوات العليا, ويدوسون على اشواكه, ويعانون عذابه. ولو ان الذين غادروا الدنيا من هؤلاء قرأوا صحف هذه الايام وكتبها وتصريحاتها الرسمية, وتأملوا مسيرة الامة السياسية, بعد ان انتهى عهد الثورات أو لو انهم ناقشوا الجيل العربي المعاصر, واختبروا ذاكرته التاريخية, او سألوه عن احلامه, لاذهلهم هذا التنديد الصريح احيانا, والمتقنع غالبا بالحلم الذي عاشوا عمرهم يجرون وراء تحقيقه, ويضحون في سبيله بأجمل سنوات حياتهم, وبأحلى لحظاته.. فلم تعد (الثورة) ـ الآن ـ موضوعا لحلم احد, رغم سحابات التعاسة والقهر والظلم التي تملأ سماوات الامة, ونيران الاستذلال والقهر التي تتفجر من ارضها.. بل اصبحت ذكرى مريرة, يجهد الكثيرون في نسيانها, فاذا تذكروها, فلكي يحذروا من تكرارها.. والاحياء من هؤلاء الذين حلموا يوما بالثورة العربية, او شاركوا في صنع حلقة من حلقاتها في هذا القطر العربي او ذاك, وفي تلك الحلقة من التاريخ او ما سبقها من حلقات اتعس حالا من الاموات, فهم يعاينون بانفسهم معنى تقلب الازمان وتغير القيم والمفاهيم, ونسيان الانسان ويسمعون باذانهم من يسخرون من احلامهم وربما يهزأون بتضحياتهم, ومن لا يجد في العصر الثوري العربي, شيئا يستحق البقاء, الا حناجر تصرخ بما لا تستطيع تنفيذه, وشعارات ترفع لكي يتحقق عكسها؟ وسياسات مرتجلة هدمت الصالح والطالح, وقضت على الفاسد والطاهر, وحطمت ولم تشيد, واماتت ولم تحي, وثارت على مظالم محدودة, ثم ارتكبت في حق الناس ـ خلال سنوات قليلة ـ مظالم اكثر ما ارتكبه كل الطغاة والظلمة على امتداد كل عصور التاريخ. ولعل مشاعر هؤلاء الاحياء التعساء قريبة من ذلك الاحساس المر بالغضب والفجيعة الذي ناوش كمال احمد عبدالجواد ـ بطل ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة ـ حين سمع ذات يوم من عام 1926 بعد سبع سنوات فقط من ثورة 1919 التي استشهد اخيه الاكبر (فهمي عبدالجواد) في مظاهراتها, صديقه حسين شداد يتساءل: ما الذي استفدناه من الثورة؟ لا شيء. وعلى صديقهما العابث اسماعيل لطيف قائلا: ان قيم الاشياء تتغير مع تغير الازمان ولا استبعد ان يأتي غدا من ينظرون الى الشهداء نظرتهم الى الذين يموتون في حوادث السيارات او مشاجرات الطرق. ولعل هذا النذير المفجع, هو الذي ألهم (عبدالحميد واصف) بطل قصتي القصيرة (بيان مشترك ضد الزمن) وهو واحد من رواد العمل في مجال التأمين على الحياة في امتنا العربية ان يقترح على رئيس مجلس ادارة الشركة التي كان يعمل بها اضافة مجال جديد ومبتكر الى مجالات التأمين التي تعمل بها, فلا تقتصر شأن غيرها من شركات القائمين على التأمين ضد الحريق او الحوادث او ضد السرقة وغير ذلك من الاخطار المجهولة التي تزعج الناس فيؤمنون ضدها, فمع تطور الحياة وتقلب الازمان اصبحت الحاجة ماسة الى وثيقة تأمين شاملة هي وثيقة العصر لانها تؤمن ضد خطره الحقيقي لذلك توقع (الاستاذ واصف) ان يقبل عليها الجميع واقترح ان تسمى وثيقة التأمين ضد غدر الزمان وقال انه سيكون صاحب الوثيقة رقم (2) من هذا النوع لانه على سبيل الاحترام يترك الوثيقة رقم واحد لرئيس مجلس الادارة نفسه واضاف مفسرا: ـ من يضمن لي اذا ضعفت او شخت الا يطردني ابنائي أو تهجرني زوجتي, او يجفوني اصدقائي ومن يضمن لي اذا مت شهيدا الا يعتبرني الجيل القادم احمقا او ابلها, أو مزايدا ديماغوجيا, فيحتفل بذكرى لاعب كرة, ويترك قبري مهملا.. أليس التأمين ضد غدر الزمان الزم للانسان من كل تأمين اخر؟! ومع ان الاستاذ واصف قد عوقب على تقديمه لمشروعه الجليل بخصم ثلاثة ايام من راتبه الشهري لعدم جديته وقلة انتاجه الا ان ذلك لا يفقد مشروعه في رأيي فخر الريادة والابتكار, اذ الواقع ان السبب الحقيقي وراء هذه العقوبة الظالمة يعود الى ان السيد الرئيس رئيس مجلس الادارة طبعا توهم خطأ ان المشروع محاولة للاستهزاء به والسخرية منه ورأى غير مباشر فيه يشير بشكل مقنع الى المؤامرة التي رسمها ضد اصدق اصدقائه وانتهت بعزله عن رئاسة الشركة ليحل محله ويجلس على مقعده وهو تفكير ضيق الافق تجاهل تاريخانية وعمومية الظاهرة وقوميتها وحولها الى قضية شخصية مع ان الامر اعقد من هذا واكثر صعوبة اذ ليس من حق احد ان يعترض على ما يفعله الزمان لانه لا يفعل شيئا بنفسه وكل ما هو منسوب اليه هو من صنع البشر الذين يعيشونه ويصنعون ملامحه ولان قانون الزمن وقانون الحياة وهو التجدد المستمر والتغيير في كل شيء من وفاء الناس الى ازيائهم ومن خفقات قلوبهم الى طرق مواصلاتهم فليست علينا ان نلوم الزمن بل ان نلوم انفسنا. ومن الانصاف لنا ولزماننا ان نقول ان هذه النظرة للثورة ليست قاصرة علينا او عليه فقد كانت الثورة باستمرار موضوع قلق ورفض وتنديد المستفيدين من اي وضع قائم والساعين الى تثبيته والحريصين على ترسيخ بقائه واستقراره ولابد ان هؤلاء كانوا ينظرون الى الثورة باعتبارها لونا من الوان غدر الزمان, الذي كرهوه وخافوه وسعو لتوقيه بحشود الشرطة وفيالق البصاصين, وبقوانين الطوارىء وآمن الدولة, واحيانا بالرقي والتعاويذ والاحجية. ان المؤرخ العربي المعروف (عبدالرحمن الجبرتي ـ الذي عاصر الربعين الاخير والاول من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, وشهد انهيار الحكم المماليكي, كان يعتبر الثورة (مغالبة للجهلاء على العقلاء, وتطاولا للسفهاء على الرؤساء.. وتهورا يقوم به العامة, ولفظا ينطقه الحرافيش) . ولم يكن غريبا ان يظل هذا المفهوم سائدا لزمن طويل, حتى صاحب محاولات ثورية عربية جاءت بعد هذا التاريخ بأكثر من قرن ونصف القرن, ومع ذلك اخفى قادتها عن الناس في البداية انهم ثوار, بل واستنكروا ان يتهموا بالثورية, ربما لكيلا يستفذوا اعداءهم, او يخيفوا المستفيدين مما فعلوا.. وقد حدث في الاسابيع الاولى التي اعقبت استيلاء الضباط الاحرار على السلطة في مصر ـ في يوليو 1952 ـ ان كتب الدكتور (طه حسين) مقالا عن (ثورة الجيش) , فانزعج (اللواء محمد نجيب) ـ الزعيم الواجهة لثورة يونيو الذي كان يوصف آنذاك بانه قائد حركة الجيش وادلى بتصريح اكد فيه, ان (حركة) الجيش ليست (ثورة.. لكنها (نهضة) . اما الغريب حقا فهو ان كلمة (الثورة) اصبحت خلال عقدين من هذا الزمان, مصطلحا يتمسح فيه الجميع, ومبررا لكل مغامر يريد ان يستولي على السلطة, وان يصدر بلاغا يكون رقمه واحد, لكي يقيد اسمه في جدول الثوريين المشتغلين وكانت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر ـ التي استنكر زعيمها الواجهة ان توصف بذلك ـ هي صاحبة الفضل في كسر كل ما كان يعلق بمصطلح الثورة من اثار دعاية المحافظين والرجعيين والخائفين من انقلاب الاوضاع, ممن كانوا يخشون ان تنتصف الثورة منهم لمن ظلموهم فقد انتصرت ببساطة ودون اراقة قطرة دم واحدة ونجحت بسرعة وحققت خلال سنوات كل ما كانت تحلم ـ اولا تحلم ـ به الاجيال السابقة.. اذ كانت معظم احلام الجيل الذي عاصر انتصارها تقتصر ـ كما يقول (توفيق الحكيم) في كتابه (عودة الوعي) ـ على الغاء الالقاب, والغاء الطرابيش وتعميم المياه الصالحة للشرب, فاذا بها تتجاوز ذلك كله, وتمد بصرها وجسدها الى آفاق اكثر رحابة, كان من ابرزها انها اعادت الاعتبار لمصطلح الثورة, فلم تقصر في دعم او تأييد كل ثورة في اي مكان على الارض العربية بل وفي العالم كله, حتى ان اعداءها كانوا يسخرون من هذه اللهفة لتأييد الثورات, فيشيعون ان احد معاوني (عبدالناصر) استأذن منه في اجازة بعدة ساعات يشاهد فيها الفيلم الامريكي المشهور (ثورة على السفينة بونتي) , فاسرع الى التليفون يتصل بالمشير (عبدالحكيم عامر) قائلا: ـ ازاي ياعبد الحكيم يبقى فيه ثورة على السفينة بونتي ولغاية دلوقتي لم نصدر بيان بتأييدها. ثم جاءت المرحلة الانتقالية, التي شاع فيها مصطلح الثورة بشكل افتقد معه لأية ضوابط علمية,فأصبح الكتاب والمفكرون والمنظرون الرسميون وحتى المواطنون يستخدمونه للدلالة على اشياء لا علاقة لها به, ولا صلة بينها وبينه, حتى شاع استخدامه في اسماء محلات عصير القصب, والمطاعم والفنادق, ومع ان اصحاب الكباريهات وعلب الليل, قد توقوا اطلاقه على محلاتهم, باعتباره من المنبهات التي لاتستحب في هذه الاماكن, الا ان ذلك لم يحل دون اطلاقة على اماكن وظواهر وحوادث لاتقل هزؤا وهزلا عن اطلاقه على النوادي الليلية.. ويعود معظم الفضل في هذا الى الرئيس الراحل (انور السادات) , الذي ادرك مدى ذكاء وعمق افكار صديقه الشاهنشاه محمد رضا بهلوي, فقلده في اطلاق مصطلح الثورة على كل شيء واي شيء يفعله, فبعد شهور من قيادة (السادات) لما اسماه (حركة التصحيح) ـ في 15 مايو 1971 ـ لم يعجبه ان يقيد اسمه في دفاتر التاريخ على درجة (قائد حركة) بينما تقيد آخرون يعتقد انهم اسبق منهم جهادا على درجة قائد ثورة وهكذا قرر اعتبار (حركة) 15 مايو (ثورة) , وتم اعتماد التسمية رسميا, وتدوينها في وثائق رسمية بل وفي الدستور, وتطوع عدد من اساتذة الجامعات بتأليف كتب وابحاث عن اصول ثورة 15 مايو, وجذورها الضاربة في اعماق الضمير المصري, وموقعها بين الثورات العالمية كالثورة الفرنسية والثورة البلشفية, وسرعان ما اصبح كل ما يفعله (السادات) ثورة, وهكذا شهد عهده (الثورة الخضراء) , (ثورة الانفتاح) و(ثورة الصلح مع اسرائيل) وكانت آخر الثورات التي قادها, هي ثورة 5 سبتمبر 1981, التي اسفرت عن اعتقال 1500 من قادة كل الاتجاهات السياسية والفكرية في مصر, وهي الثورة التي سخرنا منها نحن ضحاياها, حتى اقترحنا ان تسمى بـ (الثورة الصفراء) , اشارة الى (السراي الصفراء) وهو المصطلح الشائع الذي يدل على مستشفيات الامراض العقلية. وكان هذا الاسلوب الخبيث واحدا من اهم الاسباب التي جعلت مصطلح الثورة, يفقد كثيرا من وهجه, بعد ان فقد تميزه, واصبح يطلق على اشياء ليست العلاقة بينها وبينه بعيدة فحسب, بل ان معانيها عكس معناه احيانا, وضد توجهاته على طول الخطه اذ ما العلاقة بين (الثورة) وبين الصلح مع اسرائيل؟.. وما العلاقة بين (الثورة) وبين اعتقال المعارضين لهذا الصلح؟ وقد تواكب مع هذا الاغراق في اطلاق مصطلح الثورة على غير مايدل عليه, اصرار غريب من (السادات) على الا يطلق المصطلح او ما يرادفه على الوقائع التي تستحق التسمية, وتنطبق عليها شروطها الحقيقية, وكان ابرز ما فعله في هذا الصدد هو ضيقه الشديد بالثورة الايرانية والصورة الشوهاء التي عرضها الاعلام الرسمي في عهده لوقائع انتصارها, واصراره على قبول لجوء شاه ايران الاخير الى مصر, وعلى دفنه بها, وهو العمل الذي قال يوما انه لو لم يفعل سواه في كل تاريخه لكفاه ذلك مجدا.. اما افكه ما فعله في المجال ذاته, فكان اصراره العنيد الى درجة التوتر والعصبية الباعثة على الضحك, على ان يصف مظاهرات الطعام التي حدثت في 18 و19 يناير 1977 ضده, وضد حكومته, بأنها (انتفاضة حرامية) ردا على المصطلح الذي كان المعارضون له, قد اطلقوه عليها, وهو انها (انتفاضة شعبية) . وقد ظل لسنوات, لاهم له الا تسييد مصطلح (انتفاضة حرامية) , بل انه كان يتوقف احيانا, اثناء بعض خطبه او مناقشاته ويترك الموضوع الذي يتحاور فيه, لكي يتفرغ للتنديد بمن لايعترف بأن ما حدث في هذين اليومين, هو انتفاضة حرامية, وقد حدث في صيف ذلك العام, وابان اجتماع لمجلس الشعب المصري, اذ كان يخطب, حين وقف المرحوم (قباري عبدالله) وكان احد نواب حزب التجمع اليساري المعارض في المجلس, يناقشه في بعض ماكان يقول, ومع ان الجلسة كانت مذاعة على الهواء مباشرة الا ان (السادات) اصر على ان يقاطع المرحوم (قباري) سائلا اياه: قل لي اولا.. هي انتفاضة (شعبية) ولا (حرامية) ؟ وحاول (قباري) ان يتهرب من الرد, لانه لايريد ان يواجه (السادات) بما كان يعلم انه سوف يغضبه ولايريد ان يرد عليه بالرد الذي يعجبه لانه لايتفق مع رأيه.. والاهم من هذا وذاك انه لم يكن يريد ان يبتعد بالمناقشة عن الموضوع الاصلي الذي كان يدور حوله الحوار, ولم تكن له علاقة مباشرة بحكاية الانتفاضة, سواء كانت (شعبية) أو (حرامية) لكن السادات لم يترك له فرصة للتهرب من الرد على سؤاله, وأصر ككل زعيم ثوري ديمقراطي أصيل, على مواصلة الحوار, فما يكاد (قباري) يتكلم كلمتين في الموضوع الأصلي, حتى يستوقفه صارخاً: ـ لازم تقول الأول شعبية ولا حرامية. وازاء هذا الاصرار قال (قباري) انه ضد التخريب الذي حدث في المظاهرات, وضد العدوان الذي وقع على الآمنين, ولكنه لا يعتقد ان الذين فعلوا ذلك لهم صلة بالمظاهرات التي تحركت لدوافع حقيقية, وقبل ان يستطرد قاطعه السادات قائلا بضيق: ـ يعني باختصار (شعبية) ولا حرامية؟ ولم يجد قباري مفرا من ان يقول بهدوء لا يخلو من سخرية ابن البلد المصري: ـ هيا الحقيقة ياريس (انتفاضة شعبية) بس كان فيها (شوية حرامية) ! ولم يرض الرد (السادات) الذي كان حريصا على ان يصف كل الانتفاضات الشعبية بأنها انتفاضات حرامية, والعكس صحيح. وهكذا انتهت هذه المرحلة بتلك الحقبة التي نعيشها, والتي يسود فيها تيار شائع يندد بكل الثورات التي عاشها العرب منذ فجر النهضة القومية, سواء كانت معاصرة أو حديثة, وفي الدراسات التاريخية العربية الآن تيار قوي يسعى لانصاف قرون الاحتلال العثماني للبلاد العربية, وينظر بشك بالغ وريبة تصل إلى شبه يقين إلى كل الأفكار أو الحركات الثورية التي دعت للقومية العربية وللانفصال عن تركيا, ويرفض اعتبار التبعية لها استعمارا, أو التمرد عليها وطنية, بل يرى ان العكس هو الصحيح, وان الامبراطورية العثمانية هي التي حافظت على استقلال العرب, وحمت كثيرا من أقطارهم من الوقوع بين براثن الاستعمار الأوروبي, وان الاقطار التي وقعت بين هذه البراثن, هي التي تمردت على الباب العالي وثارت على الخليفة العثماني ورفضت أوامر الصدر الأعظم. ومع ان مصطلح الثورة قد خرج الآن من جدول المحرمات الذي ورثه العرب عن الامبراطورية العثمانية والذي كان يمنع الصحفيين والكتاب والمواطنين من استخدام المصطلح في مقالاتهم أو حواراتهم باعتبار ان مجرد ذكره إقلاق للراحة العمومية وتكدير للخواطر الشاهانية إلا ان الروح التي يتعامل بها معه الجميع هي نفس الروح العثمانية حتى ان الذين يدافعون عن الثورات العربية أصبحوا جزرا متناثرة قليلة التأثير في أمتنا العربية, بين طوفان من الناقدين والمنددين الذين لا يجدون في تاريخ هذه الثورات شيئا يستحق الاشادة أو التقدير ولا يعترفون لها بأي دور في تقدم الوطن أو ازدهاره ولا ينظرون إلا إلى الوجه المعتم للقمر, الذي ما كان في استطاعتهم ان يروه أو ان يتعرفوا عليه, إلا في ضوء وجهه المنير. ولم يتخلق هذا الانطباع من فراغ, فهو الابن الشرعي لقاعدة أولاد الحرام لا يتركون لأولاد الحلال شيئا, وكما ان العملة الزائفة تطرد العملة السليمة من السوق, فقد طرد الثوار المزيفون الثوار الحقيقيين من التاريخ واساءوا لسمعة الثورة لدى الأجيال الشابة, التي اختارت الشيطان رمزا لتمردها, وقائدا لثورتها الخاصة, واتخذت من الصراصير والخنافس والضفادع أعلاما لها, واعتمدت أيديولوجية: الانتماء للجسد لا للوطن وللذات لا للأمة وللذة لا للألم. ولا شك ان الثورات العربية ـ حتى الحقيقية منها ـ مسئولة عن هذا التقييم السلبي لتاريخها, ولأن الذين صنعوها لم يدركوا ان الثورة بطبيعتها حدث مؤقت يستهدف تهيئة أوضاع أفضل للناس, لكي يحكموا أنفسهم بأنفسهم, وان استمرار الحالة الثورية قائمة إلى الأبد, وضع غير طبيعي, ليس فقط لأنه يثير لدى الناس الاحساس بعدم الاستقرار, ولكن كذلك لأنه يفقد الثورة ألقها ويورطها في أخطاء تخصم من رصيدها, خاصة إذا تحول الثوار إلى حاكمين, فالثورة كالحب, جميل ومليء بالأحلام, والحكم كالزواج مليء بالنكد والخصام! والمشكلة الآن أننا أصبحنا مطالبين بأن نعيد الاعتبار للثورة, وان ننصف تاريخها, ليس لكي نقوم بثورات جديدة, ولكن لكي نحتفظ لفكرة تجديد الحياة وعدم الرضاء بالواقع أو الاستكانة له باحترامها لدى الجيل الشاب, ولدى ورثة الغد, فأسوأ ما يمكن ان يتعرض له مستقبل الأمة ان يرثها جيل متمرد, ولكنه لا يعرف على وجه التحديد هدفا له, ويريد ان يهدم ولكنه لا يعرف ما يريد ان يبنيه. أما نحن الذين شاء حسن حظنا أو سوء طالعنا, ان نعيش في ظل الثورات التي شهدتها الأمة خلال القرن الذي مضى ونلنا شرف التضحية من أجلها سواء بالعمل في صفوفها أو تحقيقها أو دخول معتقلاتها وسجونها, أو تحمل سياط جلاديها, أو مجرد الصبر على الحصار الاقتصادي, فمن حقنا ان نطالب بتأسيس شركة قومية للتأمين ضد غدر الزمان حتى لا نقيد في دفتر السراي الصفراء باعتبارنا كنا مجانين!