في يونيو 1991 عقد مجلس وزراء الثقافة العرب دورته الاعتيادية في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة, وكان اول اجتماع عربي رسمي يعقد في مقر الجامعة بعد انتقاله من تونس الى القاهرة كما كان اول اجتماع عربي رسمي يعقد بعد العدوان على العراق في ما سمي بحرب الخليج الثانية . في ذلك الاجتماع الذي حضرته بوصفي عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, ورئيسا لدائرة الثقافة فيها, اقترحت على الزملاء وزراء الثقافة والتنوير, المسئولين عن بناء عقول الاجيال العربية, وصياغة فكرها, وتعزيز روح الانتماء للامة, وصيانة تراثها الحضاري والانساني, ان يتخذ مجلسنا قرارا برفع الحصار عن الكتاب والدفتر والقلم والريشة لاطفال العراق, انطلاقا من ان هؤلاء الاطفال جزء لا يتجزأ من اطفال هذه الامة ومستقبلها, وهم ليسوا طرفا في الخلافات السياسية, واعتقادا مني ان ما فرقته السياسة يمكن ان تجمعه الثقافة, وان ما يصعب على السياسي تجاوزه, يستطيع الثقافي ان يتعامل معه بروح مختلفة, ذلك ان نظرته لاي حدث تختلف عن نظرة السياسي الذي يتعامل مع الاحداث من زاوية المصالح الذاتية والقطرية وحسابات الربح والخسارة, وحتى المواقف الثأرية, والضغوطات الخارجية, بينما المثقف يظل محكوما بالقيم والمثل التي يحمل امانتها, فلا يسمح لانفعالاته ان تحجب عنه رؤية المستقبل, ويتعامل مع الاحداث برغبة الخلاص من تأثيراتها السلبية ويحاكمها بمقاييس الحكمة التي جعلت الفلاسفة والعلماء والحكماء ينبتون من بين صفوف المثقفين, وليس من اوساط السياسيين, وهو ان لم يفعل ذلك, فانه يلحق نفسه بالسياسي, ويتحول الى مجرد اداة من ادوات تعبيره, فيفقد تميزه ومصداقيته, ويفقد ذاته ايضا. ويبدو انني وزملائي وزير الثقافة الاردني الدكتور خالد الكركي, ووزير الثقافة اليمني الدكتور حسن اللوزي, ومعنا وزيرا الثقافة الجزائري والسوداني, الذين دافعوا جميعا عن مشروع القرار دفاع المؤمن برسالته والامين على مسئوليته, لم ندرك ان المؤسسة السياسية العربية, وهي تنخرط في حصار العراق, قد طوعت كل ادواتها الثقافية والاعلامية وعبأتها ضد العقول والقلوب الندية لاطفال العراق, فهزم مشروعنا, وكم كان مخجلا ذلك المشهد الذي راقبه حضور الجلسة المفتوحة من الجمهور والصحفيين وهم يرون ويسمعون الطرف الآخر من السادة الوزراء يتبارون في سوق الحجج والمبررات لمحاصرة اطفال العراق ثقافيا, ثم يرفعون ايديهم في تصويت علني على ابقاء الحصار. استعدت هذه الواقعة, وحرصت على نقلها للقراء, وانا استعرض اسماء المدعوين الى معرض القاهرة الدولي للكتاب, من المثقفين والمفكرين والمبدعين العرب, فلم اجد بينهم شاعرا او اديبا او كاتبا واحدا قادما من ارض العراق, فتساءلت: هل اجدبت ارض العراق, ولم تعد تنبت شعرا او ابداعا فنيا, وهي منبت الشعر ,والفقه ,والحديث والنحو والصرف وعلم الكلام, وعلوم الفلك والطب والجبر والهندسة والفلسفة؟ ام ان القصف الاطلسي الذي استهدف مراكز العلم والثقافة والفنون قد اجتث الابداع العراقي؟؟ ولكني استدركت وتذكرت ان المربد مازال يزهو سنويا باستقبال الشعراء العرب من كل الاقطار دون حاجز او مانع, وان بيت الحكمة الذي اسسه المأمون مازالت قاعاته مفتوحة لدراسات وابحاث المفكرين العرب والعراقيين, فأدركت ان غياب المبدعين العراقيين ليس جهلا بالعراق وتراثه, وانما تجاهلا ولم يستطع شاعر لاتنكر شاعريته, وان كانت تنكر جماهيريته, ان يغطي بحضوره غياب العراق, ذلك لأنه اغترب عن العراق أكثر من ربع قرن, حتى لم يعد أهل العراق يذكرونه, كما ان دعوة ناقد عراقي مهم من المغتربين لم تقلل من غياب العراق, وأكدت في الوقت نفسه ان تغييب المبدعين العراقيين, ممن ارتضوا الالتصاق بأرضهم وشعبهم, ومقاسمته معاناته والتعبير عنها, هو أمر مقصود, وبخاصة حين نعلم أن الأمر تكرر طيلة السنوات العشر الماضية, وكأن من شروط الدعوة ان يهجر المثقف العراقي وطنه. وتزداد الدهشة من الاصرار على محاصرة المثقفين العراقيين في وطنهم حين نلاحظ تطور العلاقات الرسمية المصرية العراقية, في مختلف المجالات, مما يعني ان السياسة المصرية ليست مع العزل الثقافي للعراق, كما ان الشعب العربي في مصر كان سيحيط أشقاءه المثقفين والمبدعين العراقيين بكل الحب الذي يليق بهم, فيما لو تمت دعوتهم لمعرض الكتاب, وسيجعل من استقباله لهم رسالة حب ودعم لأهله في العراق, مما يعزز من صمودهم في وجه العدوان الأمريكي. فلماذا تفعل ادارة معرض الكتاب ذلك؟ وما هي الاعتبارات الذاتية والعلاقات الشخصية والحسابات الضيقة التي تدفعها لمثل هذه الخطيئة؟ وهل هناك تأثيرات من بعض صغار النفوس ممن ينتمون بأموالهم فقط لأوساط المثقفين العرب, حالوا بنفوذهم دون دعوة العراق؟ تلك تساؤلات نطرحها ونربأ بادارة المعرض ان تخضع لأي ابتزاز, أيا كان أصحابه, ومهما كانت دوافعه. وبالتداعي أيضا تستحضر الذاكرة موقف الجامعات العلمية العربية التي لم تفكر بمد يد العون العلمي لجامعات العراق, صاحبة المكانة الرفيعة في وطننا العربي والتي خرّجت آلاف العلماء المتميزين, وهي تعاني اليوم من فقر في مصادر المعرفة, وفي مواكبة التطور العلمي, حتى انها لا تحصل على المجلات العلمية الدولية منذ عشر سنوات بسبب الحصار المفروض على الكتب. وما ينطبق على الجامعات ينطبق على المدارس ودور حضانة الأطفال, حيث لم تفكر جهة ثقافية عربية أو إسلامية بترميم المدارس العراقية, أو تزويدها بمقاعد الدراسة, أو طباعة الكتب المدرسية ولو لمرة واحدة, أو اعانتها بشحنة من الدفاتر, أو أقلام الرصاص, أم ان رصاص الأقلام يمكن ان يستخدم في صناعة أسلحة الدمار الشامل؟ ومن الغريب ان يتواصل الحصار الثقافي العربي كل هذه المدة, في الوقت الذي تتصاعد فيه إلى حد الاجماع, الدعوات الشعبية العربية لرفع كل أنواع الحصار, كما تتصاعد أيضا الادانة الدولية لاستمرار الحصار والمطالبة برفعه. وحتى أهل التجارة العرب, المؤسسات الرسمية وغير الرسمية رأوا في استمرار مقاطعة العراق خسارة, وفي الاقتراب منه ربحا يطال أموالهم وينميها فاندفعوا إليه فمتى يدرك أهل الثقافة العرب ان حصار الثقافة العربية في العراق وممثليها, خسارة معنوية للثقافة العربية كلها؟