النزول الى الدنيا هو بداية سنوات الغربة.كلنا جئنا من الغيب عبر آباء وأمهات من خلال تعارف بالصدفة وقصص حب وزواج .. وربما بدون حب .. نزلنا فى باراشوت صغير جدا لا يكاد يرى بالعين المجردة .. لفافة من الجينات فى رأس حي وان منوى .. يدخل عنق الرحم ويسبح لبضعة أيام ليلتقى بويضة فى قناة فالوب فى رحم أم لا يعرفها سوف تكون الحاضنة لهذه الخلاصة الجينية .. ويتم التلقيح على مستوى ميكروسكوبى لا يرى بالعين بين الحيوان المنوى والبويضة. ومن قبل ذلك كان هناك تلقيح فى الفراش بين أب وأم هيأت له العواطف ودفعت اليه غريزة جنسية قاهرة بهدف إيصال هذه الرسالة الجينية فى رأس هذا الحيوان المنوى الى غايتها المقدرة. كل هذه ملابسات وترتيبات لا نعلمها ولم يكن يعلم بها أحد .. ولكن المعارف البيولوجية فى هذا القرن كشفتها لنا ... والجنين الذى سقط بالباراشوت من عالم الغيب فى قناة فالوب وبدأ ينمو ثم ارتحل فى الرحم سابحا ليصل اليه بعد بضعة أيام ويزرع نفسه فى جداره ويتغذى وينمو على دم الأم ثم يُدفع به الى الخروج فى عملية ولادة قهرية وتقلصات حادة مؤلمة ليخرج الى الدنيا فى نوبة من الصراخ ويزحف وهو أعمى الى حلمات ثدى أمه ليرضع فى تلقائية خرساء. كل هذه القصة اشتركت فيها أيدى خفية من وراء الكواليس لا نراها ولا نعلمها وظروف هيأتها إرادة من عالم الغيب وترتيبات اشتركت فيها أيد كثيرة لا نعرف عنها الا القليل. والنتيجة أنه قد جاء إلى الدنيا فلان وتلقفته الأيدى بالحفاوة والترحيب وربما جاء غير مرغوب فيه حيث أراد الكل أن يجيىء ولدا فجاء بنتا. وبدأت قصة هى الغربة بعينها بالنسبة لهذه المولودة على غير توقع ... إننا نسمى الحب والجنس والزواج شهور عسل .. ولكن سوف يختلف طعم هذا العسل ويتلون بكل ألوان الطيف حسب العشرة والظروف الاجتماعية والظروف الاقتصادية بل والظروف السياسية التى جاء فيها .. فى حرب أم سلام .. فى عسر أم يسر .. فى ألفة أم تنافر. حتى (الجنس) وهو أكثر العلاقات حميمية وأشدها خصوصية هو حالة قهرية غريزية نؤديها مختارين فى الظاهر مقهورين فى الحقيقة برغبة مغروزة فينا لا نملك لها دفعا. وهكذا كتب علينا أن تكون هذه الدنيا غربة .. وأمتع ما فيها أشد ما يكون غربة .. حتى أن الشريعة تسمى هذه الحالة الجنسية (جنابة) أى أن الإنسان يكون فيها محجوبا ويكون كل وجوده مُجنب أى فى حالة (غفلة) عن ربه بسبب استغراقه الذاتى فى ذاته .. فهى حالة أشبه بالعمى المؤقت والانفصال. وتأمرنا الشريعة بالغسل الكامل للطهر من هذه الجنابة. والمفهوم الفلسفى لهذه (الجنابة) أنها ذروة الغربة والانفصال. ولكن الغربة تنساح على حياتنا الدنيوية كلها لتشمل كل انشغالاتها فالإغراق فى مشتهياتها والسقوط فى بريقها والتعلق بمغرياتها يؤدي إلى نفس الشيء إلى إنفصال الإنسان الدنيوى عن حقيقته وعن مصدره وعن أصله وعن نبع الثراء الذى جاء منه وغرقه وهلاكه فى لذاتها ومشاغلها. يقول ربنا للملائكة عن آدم .. (إنى خالق بشرا من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين) . فسجد الملائكة كلهم أجمعون .. لم يسجدوا للطين ولكن للروح التى نفخت فيه من الله .. إنه سجود للأصل والى نبع الثراء ومصدر الرتبة التى أعطيت لآدم. وهذا ما يفعله (التوحيد) فى المؤمن .. إنه يأخذه من الشتات ويرده الى الواحد الى الأصل وينقذه من حالة الانفصال والشتات ويجمعه على الواحد الأصل .. وتلك الجمعية هى الهداية .. إنها المعرفة اليقينية لولى النعمة صاحب الفضل والعطاء. والانفصال عن هذه الجمعية القدسية هو سبب الضياع والشتات والغربة والسقوط والتفرق فى التفاصيل والنقوش والزخارف والمشغوليات والغياب عن الصورة الكلية والمعنى الكلي للدنيا والوجود. والكافر إنسان ضال تائه جاحد للفضل فاقد للإحساس بالبداية والنهاية .. غائب عن المعنى والمغزى والطريق. والغربة والضلال (والتوهان) هو حال الأغلبية والكثرة من الناس فى هذه الدنيا. الغربة هى القاعدة بين هؤلاء الملايين الذين يمشون فى الدنيا زائغي الأبصار أشباه مخدرين أشباه نيام مخطوفين عن حقيقتهم مشتتى الأحاسيس فى مئات الانشغالات والهموم. والموت لهؤلاء يقظة وانتباه وعودة الى الوطن بعد طول غياب .. أحيانا عودة كلها ندم .. وفى القليل كلها فرحة .. وشهقة راحة بعد طول عناء. هذه هى الدنيا .. فانظر إلى حالك .. أى نوع من الناس أنت. هل أنت من الغرقى .. أم من أهل الغربة .. أم من أهل الصحو والانتباه أم من أهل المعرفة واليقين. والصحو والانتباه مؤلم .. ولكنه بداية النجاة .. وهو إدراك الموت قبل الموت .. واكتشاف حقيقة الدنيا رغم الغرق فيها .. وهو تذوق شميم الأبدية رغم لحظات الفوت وتسارع الدقائق المفنية .. والعارف هو صاحب (الوقفة) عند النفرى و(الايمان) عند الصوفية و(اليقين) عند المسلمين .. وكلها الفاظ لما لا لفظ له وتوصيف لما لا وصف له فى الدنيا وتعريف لما لا يعرف بالعقل .. فالعقل أداة مخلوقة للتعامل مع الدنيا .. كمبيوتر شخصى لعمل الحسابات الضرورية للتعامل مع الدنيا .. ولكنه لا يصلح للتعامل مع الآخرة ولا للتعامل مع الله .. ولا لفهم الأبدية. الروح وحدها هى التى يمكن أن تدرك الأبدية وتعرف الله وتتعامل على المستوى اللائق بعظمته. والروح لا يمكن حصرها ولا توصيفها لأنها من نفس المستوى الغيبى من الحقائق. (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم الا قليلا) . القرآن جعلها من عالم (الأمر) وهو فوق عالم (الخلق) . (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) . ما هو الأمر ..؟!!. وما هو عالم الأمر..؟!! إنه العالم الخفى الذى له الأمر النافذ على هذا العالم المادى المحسوس الذى نعيش فيه .. إنه العالم الذى له الحاكمية على هذه الدنيا .. عالم الكلمات الإلهيه الحاكمة والمسيطره. وكيف جئنا بكلمة وكيف نموت بكلمة؟!!. وكيف أن المسيح كلمته سبحانه ألقاها الى مريم؟!!. وكيف أن يحيى عليه السلام كلمته؟!!. وكيف أن كل شيء خُلق بكلمته؟!!. الله وحده يعلم ... فحدود عقلنا هى عالم الخلق وحده .. عالم المادة ومركباتها. وموضوع بحثنا هو عالم الخلق وحده .. من الكيمياء الى الفيزياء الى الفلك. ومنتهى حدود عقولنا هى عالم الخلق لا يتعداه .. من الجيولوجيا الى البيولوجيا الى كل العلوم المعروفة .. أما عالم الأمر .. عالم الكلمات الحاكمة .. فلا علم لنا به. وأهل الأدب هم الذين يلزمون حدودهم لا يتجاوزوها. أما الفجرة من جبارى هذا الزمان فقد حاولوا أن يبسطوا سلطانهم على كل شيء .. على أبداننا وعلى أرواحنا .. على أقواتنا وعلى حرياتنا .. على الدنيا وعلى الدينونة. ولو تمكنت أمريكا أن تصوغ العقول على مرادها .. لفعلت .. وإنها لتحاول أن تفعل هذا من خلال إعلام مضلل وفضائيات كاذبة وفنون ومسرح وسينما وصحافة وأمم متحدة وبنك دولى وصندوق نقد وعسكرية متفوقة وجبروت سي اسى. ومن قبل ذلك حاول كارل ماركس أن يعيد تشكيل عقول العالم على وفاق منهجه الماركسى وفشل وفشلت وسائله .. وانتهت روسيا وشيوعيتها الى الإفلاس والتسول. واسرائيل كانت بطول التاريخ تحلم بالسيادة وتريد أن تحكم وتسود بزعم أنها المختارة من الله رب العالمين وأنها جاءت لتحكم وتسود. وما كانت سوى الخادم الذى يتسلق على أكتاف الجبارين بطول التاريخ من أيام الهكسوس الى أيام الإنجليز الى أيام التسلط الأمريكى .. وهى الآن على مرمى حجر من أغراضها .. ولكنها لن تحقق هذه الأغراض أبدا لأن السيادة التى تطمح إليها سيادة شريرة وطموح إلى نهب ما لا تملك وطمس ما لا يجوز لها أن تطمسه من عقائد وأديان ... ولن تستطيع أمريكا ولا إسرائيل أن تبلغ هذا المدى من التجبر لأن الله هو الذى يحكم مقدرات هذه الدنيا وليس البشر .. وما يحكمها البشر إلا بالوكالة عنه وبإذنه وإلى المدى الذى يريد وإلى العلو الذى يسمح به وسيكون لإسرائيل العلو الذى يسمح به رب العالمين ثم يخسف بها الأرض. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) . وقد قال ربنا اننا سندخل القدس وندمر كل ما عمرت اسرائيل فيها وكل ما أنشأت .. يقول القرآن لبني إسرائيل (فاذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا) وهذا هو الخسف النهائي بإسرائيل ودولتها. وهذا كلام خالق الكون والحاكم بأمره على مقدرات الأرض والسماوات. وليس بعد كلام الله كلام. ولا نعلم كيف ولا متى يكون هذا اليوم. فالله وحده هو الذى يقيم كل الحكومات وهو الذى يسقطها وهو الرافع الخافض من الأزل بلا منازع. ولكنه وعد .. ونحن ننتظر الوعد. وإسرائيل تنتظر الوعد أيضا. والباقى علامات استفهام .. وغربة .. يعيشها كل الناس رغم كل العلوم التى أحطنا بها ورغم كل المعارف التى تتوزعها المكتبات ورغم الأقمار الصناعية والتلفزيون والإنترنت والكمبيوتر .. فكلها تعطينا صورة تقريبية للقرية الجغرافية التى نسكنها والخضم الكونى الذى نسبح فيه .. ومن وراء ذلك مجهولات .. ومن قبل تاريخنا مجهولات .. ومن بعد موتنا مجهولات .. ومقدار وعينا هو مجرد ذرة صغيرة فى بحر أسرار .. ولو أدركنا هذا (الصغر) لما تقاتلنا على شيء ولمددنا الأيدى بالمعونة لكل محتاج فنحن أحوج منه وإلى كل طالب علم فنحن أجهل منه ولسجدنا نطلب العلم من العليم والكرم من الكريم والقدرة من القادر ولتغير التاريخ. ولكن هذا لن يحدث .. ولن يتغير التاريخ .. ولن تضيىء هذه الاستنارة إلا عقول أقل القليل ممن لا حكم لهم ولا نفوذ على شيء .. وستمضى الأغلبية فى ضلالها وتسلطها والأقلية فى غربتها وقلة حيلتها .. وقد ضُرب على العقول الحجاب لا يُرفع عنها الا ساعة الموت حين لا ينفع ندم ولا تجدى معرفة. وما أسعد العالم الذى نفعه علمه ساعتها. إِدعوا ربكم أن تكونوا ذلك العالم الذى عرف قبل فوات الأوان.