كلما وقعت هجمة عسكرية امريكية على العراق كانت الدوائر الرسمية العربية تبرر موقفها السالب تجاه الهجمة بذريعة خروج العراق عن قرارات (الشرعية الدولية) فماذا بوسع هذه الدوائر أن تقول بشأن لبنان وما تعرض ويتعرض له من اعتداء عسكري اسرائىلي فاضح ؟ الشرعية الدولية ليست واردة في السياق اللبناني الحاضر إلا كحجة دامغة ضد اسرائىل. فهناك القرار رقم 425 الصادر عن الامم المتحدة الذي يلزم اسرائىل بالجلاء دون قيد أو شرط عن أرض لبنان. وتجاهل اسرائىل المتعمد لهذا القرار لابقاء وجودها الاحتلالي في الجنوب اللبناني هو الذي يضفي شرعية دولية للنشاط القتالي للمقاومة الوطنية اللبنانية المتمثلة في (حزب الله) . وهذا بالضبط ما دعا كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة أن يبادر إلى اصدار بيان يشجب فيه الهجمات الجويه الاسرائيلية على لبنان باعتبار انها اعتداء يخرق ميثاق المنظمة. أجل.. لقد أصدرت الحكومات العربية بيانات شجب ايضا.. لكنها انتظرت فيما يبدو الى حين صدور بيان كوفي عنان. واذا كان اصدار بيانات الشجب في ظروف عدوان أجنبي على دولة عربية يعتبر إشارة ايجابية عندما يأتي من مؤسسة دولية فإنه ليس كذلك بالضرورة عندما يأتي من دول عربية شقيقة. فالمطلوب من الدول العربية في هذه الحالة اكثر من مجرد الادانة اللفظية للعدوان. تأسيسا على هذا المفهوم ندرك مغزى تشكي رئىس الحكومة اللبنانية د. سليم الحص و(عتابه) على الدول العربية. لقد نقل عن الحص قوله في لقاءات مع السفراء العرب المعتمدين في بيروت ان دولا عربية لم تتخذ مواقف مؤيدة للبنان رغم شراسة العدوان الاسرائىلي وطالبها بدعم سياسي (خاصة وان البعض منها تربطه صداقة علنية أو خفية أو علاقات اقتصادية بالدولة العبرية) . وربما ما لم يشأ أن يقوله د. الحص ـ وهو رجل اشتهر بالتهذيب والاعتدال ـ هو أولا أن سبب التقاعس العربي الرسمي تجاه لبنان من ناحية وتجاه العراق من ناحية أخرى واحد: الخشية من اغضاب واشنطن وثانيا, أن تجاسر اسرائيل على لبنان هو في الحقيقة نتيجة مباشرة للتصالح العربي مع الدولة اليهودية. ان الحد الادنى الواجب اتخاذه عربياً في اعقاب العدوان الاسرائىلي على لبنان هو التداعي الى عقد اجتماع استثنائي لوزراء الخارجية العرب لاتخاذ قرارات حاسمة على غرار اعادة المقاطعة الاقتصادية العربية لاسرائىل مثلا.. وأن تسحب الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية مع اسرائىل سفراءها تمهيداً لقطع العلاقات في مرحلة لاحقة اذا دعت الضرورة. ولكن كما نعلم ستدخل واشنطن على الخط في هذه الحالة لاحباط أي مسعى عربي في هذا الاتجاه. اما انعكاس التصالح العربي غير المتكافىء مع اسرائيل على السياسة الاسرائىلية تجاه لبنان فقد ثبت عمليا قبل 18 عاما عندما حدث الاجتياح الاسرائىلي الكبير على لبنان عام 1982 حيث عبرت أرتال الدبابات والمدرعات الاسرائىلية الحدود ولم تتوقف الا في بيروت الغربية. ولم تغادر القوات الاسرائىلية الارض اللبنانية إلا بعد أن خلفت 30 ألف قتيل من ناحية ومن ناحية أخرى أقامت احتلالا على (الشريط الحدودي) في الجنوب اللبناني باقيا حتى اليوم. وما كان للاستراتيجيين الاسرائيليين ان يفكروا مجرد تفكير في هذا الاجتياح العلني لولا معاهدة السلام بين مصر واسرائىل عام 1979ر لقد وضعت المعاهدة حدا نهائيا للحروب بين مصر والدولة العبرية.. فعمدت اسرائيل بالتالي الى غزو لبنان وهي مطمئنة إلى أن أكبر قوة عسكرية عربية خرجت نهائيا من معادلة الحرب. وهكذا يأتي العدوان الاسرائيلي الاخير على لبنان ليذكرنا بأن ابرام سلام عربي جزئي مع اسرائيل لن يفلح إلا في تجاسر اسرائىل على جزء آخر من الوطن العربي.