فوز السيناتور ماكين في ولاية نيو هامبشاير كان له وقع القنبلة في صفوف مرشح المؤسسة الرسمية للحزب الجمهوري جورج بوش الابن وبينما لماكين مؤيدون في قيادة الحزب الجمهوري الا انهم اقلية نسبة للتأييد العارم الذي يتمتع به جورج بوش, ويصعب التنبؤ بالديمقراطية الامريكية فهي ديمقراطية متكاملة الاطراف لديها القدرة على التأقلم وفرز التغير فمهما كانت تصورات ورغبات النخبة, يبقى ان الحكم النهائي هو للرأي العام الامريكي وهذا بدوره يخضع لمقدرة المتنافسين في الوصول لهذا الرأي العام واقناعه باخلاصهم للبلاد وبالرسالة التي يتحدثون عنها. وقد ساهم في اضعاف بوش الابن في نيو هامبشاير شعوره العارم بالمقدرة على هزيمة كل المتنافسين, هذا الموقف جعله اقل اهتماما بتفاصيل الحملة الانتخابية واكثر استخفافا بمنافسيه, لهذا قرر في بداية المناظرات ألا يشارك, ثم قرر ألا يمضي وقتا طويلا في ولاية نيو هامبشاير وقد دفع هذا التصرف بنيو هامبشاير الى معاقبته بل اكدت هذه الولاية انها تعي جيدا دورها في كل الحملات الانتخابية فهي تشكل انطلاقة الحملة الانتخابية, وبالتالي من يفوز فيها يضمن ان يشتعل فتيل حملته الانتخابية بما يساعده في ولايات اخرى ومما يساهم في خلق الاضطراب في صفوف منافسيه. ومن اهم الاسباب التي تجعل هذه الحملة الانتخابية صعبة على جميع المرشحين المعارضين لسياسات الرئيس كلينتون ونائبه آل جور انها تتم في ظل عهد تميز بالرفاه وبالنمو الاقتصادي وندرة البطالة وانخفاض التضخم وغيره, لهذا يتساءل المواطن عن الجديد الذي يأتي به كل مرشح ويقارنه بالمكاسب التي حققها في السنوات الثمان الماضية وامكانية استمرارها بعد كلينتون, لهذا فالمرشح الجمهوري يواجه مصاعب كبيرة في تحدي حزب نجح في تقديم انجازات حقيقية, ان هذا الوضع يساهم في تقوية آل جور في الحملة, وقد ادى فوز آل جور على منافسه في الحزب الديمقراطي برادلي بفارق صغير في الاصوات الى توضيح اهمية المنافسة في المعسكر الديمقراطي ان امكانية التجديد للديمقراطيين في البيت الابيض تبقى قائمة حتى الان ولن تحسم هذه المسألة لانه من الواضح ان الحملة الانتخابية الامريكية سوف تكون حملة حامية الوطيس, بمعنى اخر لن يفوز الرئيس الامريكي القادم بفارق كبير وسوف تكون النتيجة متقاربة بين الفائز والخاسر. ولقد نجح السيناتور والمرشح الجمهوري ماكين حتى الان وذلك من خلال بروزه كمعارض للمؤسسة الرسمية الجمهورية, لهذا وضع نفسه في صف يسار الجمهوريين حيث رفع شعارات اصلاحية جعلته يبدو اكثر اقترابا من الحزب الديمقراطي, والوعد بأن يحافظ على انجازات عهد كلينتون الاقتصادية ويطورها, ولقد ركز ماكين على عمق تجربته خاصة تجربته في الاسر وفي فيتنام كما انه عوضا عن التركيز على تخفيف الضرائب كما يطرح بقية الجمهوريين والمحافظين ركز بنسبة اكبر (كما هو حال الديمقراطيين) على استخدام فوائض الميزانية لصالح برامج اجتماعية مفيدة للمجتمع خاصة في مجال الضمان الاجتماعي اذ حول ماكين هذا الامر الى خلاف رئيسي مع بوش الجمهوري, كما ان ماكين من جهة اخرى طرح بقوة اصلاح طريقة جمع الاموال للحملة الانتخابية وذلك لكسر احتكار الفئات المتنفذة بمعنى اخر طرح اصلاحا يساهم في جعل الانتخابات اكثر ديمقراطية خاصة تجاه الحزب الجمهوري بل وعد ماكين الناخبين بكسر ما يسميه الثالوث الفولاذي في واشنطن والقائم على جماعات الضغط ودورها والمال الكبير وتأثيره والتشريع المتأثر بالمال والضغط وقد تحول هذا الشعار الى قوة تلهم معسكر ماكين, ومن جهة اخرى اخذ ماكين خطا قويا في السياسة الخارجية مركزا على ضرورة زيادة قوة الولايات المتحدة. ولقد جاء فوز ماكين في نيو هامبشاير 49% نسبة لبوش 31% كضرورة لجورج بوش فقد اثبتت الاحداث ان هذا الفوز قد يسبب الصحوة المطلوبة لجورج بوش ولكن قد تثبت الاحداث انها كانت بداية النهاية, ان معسكر بوش يعيش حالة اعادة نظر في الخطاب السياسي واسلوب تنظيم الحملة الانتخابية ولكنه يعيش حالة اضطراب في هذه المرحلة, جورج بوش لديه منظمة كبيرة تسنده وقدرات مالية كبيرة لصالحه, ولكن هذا لن يكفي, اذ يحتاج لبلورة طرح سياسي وسلسلة من الشعارات التي تصل لقطاعات كبيرة من الجمهوريين ممن ترى في انتخابه مرشحا عن الحزب الجمهوري فرصتها في استعادة البيت الابيض. ان الحملة الانتخابية الامريكية متداخلة مع عوامل كثيرة, شخصية وانسانية تنظيمية ودعائية واعلامية ومالية, ولكن الواضح في هذه المرحلة ان بوش احتاج منافسا مثل ماكين لكي يجعله يعيد النظر باستراتيجيته وليأخذ حملته الانتخابية بجدية كبيرة, وان آل جور هو الاخر احتاج منافسا من حزبه (برادلي) لكي يساهم في تطوير اسلوبه وقدراته على مخاطبة الجمهور ان المنافسة الان على اشدها وهي تدفع بالمتنافسين لابراز احسن ماعندهم, وتفتح المجال لمواجهة بين بوش وماكين وبين برادلي وآل جور, ان هذه التطورات تجعل الحملة الراهنة حملة تستحق المتابعة لانها تؤثر في الشكل الذي ستأخذه التجربة الامريكية وديمقراطيتها في اول حملة انتخابية في القرن الواحد والعشرين. أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت