يدفعنا الاعلان عن بدء التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين من اجل الوصول الى حل نهائي للقضية الفلسطينية ووضع نهائي بتقسيم فلسطين إلى دولتين, في التفكير بوضع ومستقبل الأقليات المسلمة والمسيحية الموجودة في اسرائيل بعد الاتفاق . فالاقلية الفلسطينية المسلمة في اسرائيل تمثل حوالي 15% من اجمالي عدد السكان اليهود في حين يمثل المسيحيون حوالي 5% فقط, وقد كان الطابع المميز للتعامل مع الأقليات في وقت ليس بالبعيد هو الشك وعدم الثقة. فالمجتمع اليهودي تاريخيا مجتمع منغلق وشكاك ولا يأمن لأحد مطلقا اضافة الى انه يعتبر نفسه شعب الله المختار واولى الديانات السماوية والاولى من بين كافة البشر بالسيطرة عليهم وعلى مراكز حضارتهم والمتمثلة في فلسطين وخاصة القدس. وقد عززت هذه النعرة من الترابط اليهودي العالمي الذي مازال قويا ويقف بالمرصاد لكل المحاولات للنهوض بمستوى الاقليات الموجودة داخل اسرائيل للابقاء عليها تحت سيطرة الدولة التامة. ولهذا السبب فان الحكومات الاسرائيلية كافة ابقت على التفوق اليهودي الكمي والنوعي في حين بقيت معدلات الفقر مرتفعة للغاية بين الفلسطينيين اضافة الى مشاكل حياتية اخرى كتوفر التعليم والرعاية الطبية, ومد شبكات الكهرباء ومياه الشرب والري والحرية الشخصية كحرية العمل والتعبير عن الرأي والسفر وغيرها. وبالرغم من مرور اكثر من خمسين عاما على قيام الدولة اليهودية رسميا الا انها وعلى ما يبدو لم تلفح في لجم الاقليات الموجودة لديها تماما. فالحوادث الاخيرة التي شهدتها حين قام عدة شباب فلسطينيين من مواليد وسكان الدولة العبرية بتفجير انفسهم او بطعن اسرائيليين مؤخرا دليل واضح على انها لم تفلح في مسح وطمس الهوية العربية لديهم, كما ان التنظيمات الاسلامية الدينية غير السياسية مازالت نشطة وتنشر الوعي الديني بين السكان المسلمين. وقد ادت هذه (الظاهرة) الى صدمة كبيرة في الاوساط اليهودية التي عادة ما تتفادى التعامل مع هذه الاقلية وهي التي كانت مطمئنة الى حد ما من عدم امكانية وجود اي تنظيمات اسلامية مسلحة لديها خاصة ان الانتفاضة الفلسطينية بسنواتها السبع واساليبها القمعية المفرطة فشلت في اشعال اي شرارة غضب حقيقية داخل اسرائيل, بل على العكس فقد استفاد سكانها العرب من كون الحكومات الاسرائيلية في تلك الفترة كسرت بعض القيود والعوائق في محاولة منها زرع احساس بالمساواة والعرفان لدى الاقليات الموجودة لديها. وقد سجل العديد من التطورات الهامة في مجالات حرية التعبير والعمل السياسي وبعض التحسن في مستويات الخدمات العامة كالمواصلات والكهرباء. وعلى مدى عدة سنوات استطاعت اسرائيل ان تشجع العرب على ان يلعبوا دورا بارزا في كافة مجالات الحياة الاسرائيلية وهو النهج الذي تتبعه لتحييد العرب وضمان عدم ارتباط مصالحهم السياسية بما يجري في الضفة الغربية وغزة, فلاول مرة قام باراك بتعيين نواف مصالحة كأول وكيل وزارة (الخارجية) من اصل عربي وتم انتخاب الفلسطينية رنا رسلان كملكة لجمال اسرائيل, اضافة الى ان العديد من نجوم كرة القدم عرب. كما ان التكتل العربي في الكنيست وصل عدده هذا العام الى 10 نواب وهو ما يضعهم في المرتبة الرابعة وفي مصاف التكتلات الكبيرة التي تلعب دورا لا بأس به في سير دفة الامور في البلاد بالرغم من رفض كافة الكتلات اليهودية التحالف معهم في تشكيل الحكومات التي يجب ان تكون كلها يهودية. وقد أدت السياسة الاسرائيلية أعلاه الى ان اصبح معظم الفلسطينيين ـ الاسرائيليين يؤمن انه بالامكان ان تعيش دولتان فلسطينية واسرائيلية بسلام وان حق تقرير المصير يجب ان يقتصر على الاساليب السلمية فقط وان الدخول في مواجهة عسكرية مع اسرائيل يضعهم في موقف حرج للغاية قد يعيدهم سنين طويلة الى الوراء ويهدد كل ما حققوه من تقدم, اذ انهم كانوا ولثمانية عشر عاما لغاية عام 1996 يرزحون تحت الحصار العسكري وحظر التجول وبعد انسحاب القوات الاسرائيلية من المدن والقرى في ذلك العام بقيت التفرقة الاقتصادية راسخة في النظام السياسي الى عهد حديث حين اصبح التكتل العربي في الكنيست على درجة من القوة للمطالبة والحصول على مخصصات مالية تنموية حكومية اسوة باليهود. اما الاقلية المسيحية فقد كانت ومازالت موقع عمليات مكثف للحركات اليهودية لخلق جو عداء للاقليات الاخرى وقد نجحت الدولة في تهميش دورها السياسي لحد كبير من منطلق ان المسلمين والمسيحيين سواء ـ كلاهما من غير اليهود وكلاهما حارب اليهود من اجل الارض ـ مما ادى الى هجرة الكثير منهم الى امريكا وفرنسا وبعض الدول الاخرى وبالتالي تناقصت نسبتهم السكانية مقارنة مع الازدياد الاسلامي الطبيعي (نسبة المواليد العالية) والازدياد الصناعي اليهودي (الهجرة الجماعية المنظمة) مما نتج عنه ان الغيت حقوقهم السياسية تماما ولم يعد لديهم اي نفوذ او ضغط او تمثيل حقيقي سوى ما يقومون به ضمن القوى العربية. كاتب فلسطيني