أحدث صورة للمشهد العراقي تتكون من عنصرين متناقضين تماما. من ناحيته دعا منسق الأمم المتحدة للشئون الانسانية المقيم في بغداد الى إنهاء العقوبات الدولية المفروضة على العراق ووصفها بأنها (مأساة انسانية حقيقية) ومن ناحية اخرى قالت واشنطن انها (قلقة) من ان العراق (ربما) يكون بسبيل استئناف برنامجه للأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية. وبعد ان القى المتحدث باسم وزارة الدفاع الامريكية كين بيكون هذه العبارات التشكيكية خلص الى ان (السبيل الوحيد لمعرفة ما يجري هو ان يعود مفتشو الامم المتحدة الى العمل الميداني في العراق) . في اي اتجاه اذن ترسم بغداد خطة تحركها الدبلوماسي للمستقبل المرئي بازاء هذا التناقض؟ هل تعتمد على فرضية ان هناك تعاطفا مبدئيا مع العراق في المستويات العليا للأمانة العامة للامم المتحدة فتقرر بالتالي التعامل بمرونة تجاه مسألة استئناف التفتيش الدولي ام تعتمد فرضية ان العداء الامريكي الراسخ للعراق هو الغالب في كل الاحوال فتقرر مواصلة التشدد والعناد؟ وهكذا تجد بغداد نفسها امام مفترق طرق يتطلب قرارا في هذا الاتجاه او ذاك ينطوي في الحالين على مخاطرة. ولكن ماذا تتطلب المرونة وماذا يتطلب التشدد؟ المرونة تتطلب من بغداد اولا العدول عن موقفها الرافض لقرار مجلس الامن الدولي رقم 1284ر. وهو قرار اتخذ مؤخرا بالاجماع كان مبنيا على اقتراح امريكي بريطاني ويربط ما بين رفع العقوبات وقبول بغداد اعادة التفتيش الدولي على الأسلحة. وعنصر المخاطرة هنا هو انه بمجرد ان تقبل بغداد بعودة مفتشي الاسلحة الدوليين فانه سوف يكون من الصعب عليها مستقبلا طردهم اذا ثبت لديها انهم كسابقيهم يتحركون بارادة واشنطن. اما التشدد فيتطلب من السلطات العراقية الاصرار على رفض القرار المذكور. وفي هذه الحالة سوف يبقى حال العقوبات على ما هو عليه.. بل وربما تجد الولايات المتحدة في هذا الرفض مبررا لشن حملة عسكرية جديدة على العراق اعتمادا على تصوير الرفض العراقي وكأنه تحد للامم المتحدة. فأين يتوجه التحرك الدبلوماسي العراقي اذن؟ ان المشهد ليس بالبساطة التي تبدو ظاهريا لعين الرائي, فهناك تفاصيل ليست بأقل اهمية من الخطوط الرئيسية. وفي مقدمة هذه التفاصيل موقف القوى الدولية المناوئة للولايات المتحدة وبريطانيا داخل مجلس الامن الدولي: فرنسا وروسيا والصين. وبغداد يجب ان تدرك ان تحركها الدبلوماسي في كل الاحوال لن يكون فاعلا دون التشاور والتنسيق مع هذه القوى الثلاث. لنستذكر اولا انه رغم ان القرار 1284 هو اساسا مسودة امريكية بريطانية الا ان الجهود الفرنسية الروسية الصينية اثمرت تعديلات عليه جعلته اكثر توازنا نسبيا. نستذكر ثانيا انه لولا صلابة المعارضة التي ابدتها الدول الثلاث تجاه مسألة تعيين رئيس جديد للجنة التفتيش لما تنازلت واشنطن عن ترشيح الشخصية المشبوهة رولف ايكيوس لصالح مرشح (المعارضة) هانز بليكس الذي يقال انه يتمتع بالنزاهة. لهذه الاعتبارات ربما كان الافضل لبغداد اعتماد فرضية المرونة ولكن مع تنسيق وثيق ولصيق مع القوى الثلاث المتعاطفة. واذا استطاعت بغداد تأمين هذا التنسيق فان بوسعها قبول القرار 1284. وانطلاقا من هذه البداية سوف تكون المعركة الفورية اللاحقة مع الولايات المتحدة هي تشكيل عضوية اللجنة الدولية الجديدة للتفتيش عن الاسلحة وعلى افتراض ان بغداد ستدخل المعركة في تحالف مع فرنسا وروسيا والصين فانها سوف تنجح في الظفر بتشكيل متوازن للجنة يضمن تجردها, وبالتالي نزاهة تقاريرها المستقبلية... تلك التقارير التي على اساسها يقرر مجلس الامن رفع العقوبات نهائيا او استمرارها.