ما يجري في لبنان خلال الايام القليلة الماضية, وما تشهده المنطقة العربية منذ سنوات, يؤكد ان اسرائيل والولايات المتحدة تصران على دفع المنطقة كلها إلى دائرة الخضوع الكامل لاسرائيل ومخططاتها في المنطقة, لكن هذه اللعبة الظالمة والخطرة واللاإنسانية تحمل في احشائها عوامل انفجارها وانهيارها مهما بدا أن سيف العدوان قويا وفاجرا ومهما بدا ان النظام العربي اصبح من شدة ضعفه عجينة لينة يسهل تشكيلها من قبل التحالف المعادي كيف يشاء..! فخلال الايام الماضية ارتكبت اسرائيل من الجرائم في لبنان ما لا يمكن تصنيفه الا تحت باب (معاداة الإنسانية) واحتقار النظام الدولي والقيم الاخلاقية والحضارية, وفعلت ذلك بطائرات وصواريخ وأسلحة حصلت عليها منحة من قبل الولايات المتحدة الامريكية. وبدلا من ان تقف واشنطن ضد سلوك حكومة باراك, وضد تهديدات اعضائها التي تردد العبارات الفاشية وتتحدث عن الحرق والقتل والتدمير ضد المدنيين والبنى التحتية, فان الولايات المتحدة وجهت انتقاداتها إلى المدافعين عن ارضهم وحياتهم, بل وتسربت اخبار من اسرائيل وواشنطن تؤكد حصول اسرائيل على ضوء اخضر امريكي لارتكاب جرائمها. والواقع ان هذا السلوك ليس جديدا, فطوال العقدين الماضيين كان واضحا لكل مراقب انحياز واشنطن السافر إلى حليفتها اسرائيل ضد العرب, وكثيرا ما استعملت امريكا (الفيتو) لمنع مجرد كلمات الإدانة ضد اسرائيل في مجلس الامن, مع الاصرار على امداد الدولة الصهيونية بكل اسلحة التدمير والعدوان المتفوقة. لكن الغريب, ولعله ما يغري الحليفين المعاديين انه كلما اشتد القهر والظلم ضد العرب كلما ازداد تقارب النظام العربي مع واشنطن, وتعاظم اندفاع وهرولة بعض الانظمة إلى السلام مع اسرائيل والتطبيع مع المعتدي, وكأن العرب يجسدون بذلك ما سبق ان قاله مناحيم بيجن الارهابي الصهيوني العريق في تبرير جرائمه ضد العرب: (اضرب العربي يتبعك) !! ان هذه الحالة المؤسفة هي السبب الرئيسي وراء الازدراء الذي تمارسه كل من اسرائيل وواشنطن ضد العرب على مائدة المفاوضات وفي الميدان, وهو ما يغريهما بالاندفاع إلى اعادة تخطيط المنطقة بما يتناسب مع مصلحة واطماع اسرائيل العدوانية والتوسعية. اما ما يدفع الحليفين إلى الجنون فهو اصرار المقاومة اللبنانية والمسار التفاوضي السوري واللبناني على عدم الخضوع لشروط لعبتهما الخطرة, لكن هذا الجنون نفسه الذي لا يقيم اي اعتبار لانسانية الانسان ولهذه الامة وللقانون الدولي قد يساهم بانفراط كل اللعبة الآثمة وتحرير العرب من ضعفهم وقيودهم وما يحاك لهم من مستقبل قاتم.