قد تبدو الصحافة للبعض مهنة سهلة يستطيع اي متعلم ان يمارسها, وهناك من يتصورون أنها مهنة تجميع كلام لا غير ومن هذا التجميع يولد المقال والتقرير والتحقيق وغيرها من الفنون الصحفية. ان هذه النظرة السطحية لا تؤثر على مهنة الصحافة نفسها وحسب بل يتعدى تأثيرها الضار الى كل المجتمع الذي تتسع فيه مثل هذه النظرات. لقد ولدت الصحافة كحاجة انسانية ومجتمعية ضرورية, ثم صارت سلاحا خطيرا يستخدم في الحرب وفي السلم وفي البناء وفي الهدم, وان ادراك العالم بخطورة الصحافة دفع الى تأسيس معاهد متخصصة وكليات وجمعيات لاحتوائها وتنظيمها والسيطرة عليها وتوجيهها. اذن ليست الصحافة مهنة تجميع كلام, فقد أسهمت بالحروب العسكرية, ودمرت جيوشا لحسن استخدامها كما فعل بسمارك حاكم بروسيا بفرنسا عندما قدم رشاوى للقائمين على الصحافة الفرنسية حينذاك فتمكنت هذه الصحافة من التأثير على الرأي العام الفرنسي, ومن ثم تخفيض ميزانية الدفاع, مما سهل على بسمارك تحقيق النصر على خصمه, وصارت سببا رئيسيا في الحروب الأهلية التي دارت في العديد من البلدان. تطور متسارع ان علوما كثيرة أدخلت الآن في الصحافة لكي تتمكن من اداء وظيفتها في ظل التطور العلمي والتكنولوجي, لكن كل هذه العلوم لا تستطيع ان تطور الصحافة تطورا جوهريا مالم ينشط القلم الصحفي نفسه, ويتطور ويستطيع الوصول الى أهدافه في نقل الخبر بدقة, ومن ثم الوصول الى تحليل صادق وتقرير أمين وتحقيق اكثر فاعلية. لقد ساد اعتقاد كبير في بداية العقد الثمانيني من القرن الماضي بأن الصحافة المقروءة ستزول نتيجة التطور التكنولوجي وظهور الفضائيات وتطور الاتصالات, وكان الخوف ماثلا امام اهل الصحافة من هذا الاعتقاد. لكن ما حدث أن هذا التطور اسهم بتحسين الشكل الخارجي للصحافة, وساعد على سرعة نقل المعلومة والصورة من مواقع الاحداث. غير أننا نعترف بأن الفضائيات وازدياد ساعات البث التلفزيوني قلل من نسبة مبيعات بعض الصحف التي لم تستوعب تطور وسائل الاعلام الاخرى ولم تحصن نفسها بالتطور ذاته, ومع مرور الايام انكشف ضعف الفضائيات وهجرها الكثيرون عائدين الى (الجريدة) اهم وسائل الاعلام واعرقها واقدرها على التثقيف وتحقيق المتعة. منهل خطر لقد مات بفضل هذا التطور السبق الصحفي كما أشرنا في مقال سابق, وموت السبق الصحفي يدل على ان وسائل الاعلام اصبحت تنهل من منهل واحد, وهنا تأتي الخطورة الجديدة التي نغمض عيوننا عنها دون ان نتخذ أي اجراء مناسب للتخلص منها. فكما معروف فان هذا المنهل الاعلامي الذي ينهل منه الجميع هو منهل (يهودي صهيوني) في معظمه, وهو متمثل بمجموعة وكالات باعت مجدها وتأريخها دون مراجعة او تدقيق. كما ان هذا الاعلام الصهيوني الذي يوزع افكاره من خلال الاخبار والتقارير و الاستطلاعات ومن خلال الصورة لم يكن ساذجا, بل يعمل بموضوعية عالية, ومن خلال هذه الموضوعية زرع الثقة في انحاء متعددة من العالم وأوجد لكلماته أرضا خصبة وآذانا صاغية, غير أنه يعرف كيف يدس بين هذه الموضوعية ما يريده حتى اصبحنا نثق به ونردد ما يريده ترديدا يزيد في عدد مراته على ما تبثه هذه الوكالات نفسها. ولعل اغلب المحن التي رافقت أمتنا العربية في صراعها مع الصهيونية هي محنة الاعلام, ففي الوقت الذي راح الاعلام الصهيوني يستخدم الاعلام بذكاء وفطنة اخذنا نستخدم الاعلام عاطفيا فلم يجد له صدى في البلدان الغربية وفي القارات الاخرى, وجنى اعلامنا على قضيتنا وتوالت هزائمنا في حين راحت اذاعة (اسرائيل) تردد اغنيات ام كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وناظم الغزالي والمقام العراقي لتكسب مستمعا عربيا توجهه بشكل مباشر وتبني معه ثقة جديدة او تبث الروح في ثقة قديمة!! قوة الثقة ان توفر الثقة بين القناة الاعلامية والمتلقي يمنح القناة قوة بالغة التأثير, وأن فقدان الثقة يصبها بالخسائر والشلل, والثقة بين الصحافة والمتلقي امرا ليس سهلا لكنه ليس مستحيلا, فكيف نبني هذه الثقة في ظل سيطرة الاتجاه العاطفي على الموضوعي وتغلب ـ الانا ـ على معظم فعاليات القطاع الصحافي؟ ان بناء الثقة يحتاج الى عوامل عديدة منها وجود اقلام محلية واعية وملمة بمفردات عملها وراصدة جيدة للاحداث اليومية والمتغيرات. وقبل أن نأتي الى عوامل البناء لابد من المرور السريع على عوامل الهدم, اذ كيف يستطيع كاتب عمود يومي او اسبوعي ان يقنع القارئ بالتواضع والصدق والامانة اذا كان هذا الكاتب متعاليا متكبرا غير أمين وغير صادق, فالتناقض بين سلوك الكاتب ودعواته يقلل من قيمة عموده مهما بلغت صياغته من حسن وجودة, ولعل من المخاطر التي تحيط بالاخرين ان القراء ينظرون الى هذه الحالة الفردية لدى هذا الكاتب على أنها حالة عامة ويتصف بها الجميع. اننا بحاجة الى ازالة الالغام المزروعة في الطريق التي تهدد الثقة بين القارئ والصحيفة, ومن ثم نعيد بناء هذه الثقة من خلال بناء شخصية غير مزدوجة, اي شخصية تأمر بالمعروف وتعمل به كما علينا تقوية ركائز الثقة بالابتعاد عن المجاملة التي قد تنفع فردا لكنها تضر بالمجموعة. ان تحصين الصحفي يمنح الصحيفة قوتها لأن الصحافي المحصن لا يتأثر عاطفيا بالقضايا ولا يعالجها من هذا الباب. كما لا يتجاوز الصحافي حدود اخلاقيات المهنة ومبادئ الشرف التي اقسم عليها, لاننا بهذا التجاوز نكون قد بنينا قبر صحافتنا بأيدينا, وعلينا ان نكون رقباء على هذه السلوكيات التي تحطم ما بناه المخلصون في الصحافة والاعلام. ان الكتابة من اجل المصلحة العامة دون النظر الى المنافع الشخصية تجعلنا اقوياء, غير ان استغلال المصلحة العامة من اجل منافع فردية يقطع الجسور على خطواتها ويمنعها من بلوغ اهدافها, كما ان الانطلاق نحو المصلحة العامة من اهداف شخصية يوسع دائرة الشك وبالتالي تغيب الثقة. حالة صحية ان هذه الوقفات السريعة أخذتني اليها المعركة التي دارت بين وزارة التربية والصحافة والاتهامات المتبادلة بين الطرفين, وقد يرى البعض ان هذا الخلاف هو حالة مرضية غير أنني أجده حالة صحية تعبر عن مرحلة انتقالية في النهج الصحفي المطلوب الذي يفتش عن عيوب تعرقل مسيرة التطور, كما تمنح الصحافة صلاحياتها في ممارسة مهام (السلطة الرابعة). وبصرف النظر عن تفاصيل المعركة فان على وزارة التربية ان تكافئ الصحافة لأنها كشفت قضية كانت تدور في الخفاء وتحاك حولها الاشعاعات ويتيه بها الخيال الشعبي فيفسد على هذه الوزارة كل حسناتها وحتى اذا كانت بعض المعالجات الصحفية غير دقيقة في تناولها للقضية التربوية فان عدم الدقة يعطي للتربية فرصة لتوضيح الحقيقة (ان كانت مختلفة عن انتقادات الصحفيين) , وبالتالي توفر لها فرصة جيدة لوأد الاشاعات. فهم أفضل ان الذين يحرصون على نجاحهم عليهم ان يستوعبوا الرسالة الصحفية لأنها تخدمهم اذا عرضت وفق اخلاق ومبادئ الصحافة, وعليهم ان يمدوا الجسور التي تقوي العلاقة بين الطرفين, ولو أنتبهنا الى تركيبة أية وزارة لوجدنا اقسام التفتيش والمتابعة التي تدقق في الكثير من الامور تقوم بواجباتها بتكاليف كبيرة وميزانية معروفة, وتأتي الصحافة لتقدم من ناحيتها هذه الخدمات مجانا لهذه الوزارات, فلماذا لم تستطع الدوائر المعنية لحد الآن تفهم هذا الدور؟ اننا بحاجة الى فهم حقيقي لدور الصحافة في حاضرنا ومستقبلنا, وعلينا ان نبني معها علاقات متينة من اجل المصلحة العامة, كما على الصحافة ان تحصن افرادها لكسب ثقة القارئ والمسئول معا. وعندما نستهدف جميعا المصلحة العامة في ظل المتغيرات لابد من تضحيات شئنا ام أبينا, آملين للسلطة الرابعة ان تمارس مهام عملها بموضوعية بعيدة عن الأنانية والثأر وتصفية الحسابات. كما نأمل ان تفهم المؤسسات الاخرى اهمية الصحافة في البناء, وان تدرك المؤسسات الصحفية خطورة دورها خاصة عندما تسلم سلاحها القاتل لاشخاص لا يجيدون استخدامه. انها معادلة صعبة لكن الانتقال التدريجي دون الطفرات يمنحنا القدرة على التشخيص والمعالجة في الوقت المناسب. ان الخلاف الذي نعيشه اليوم سيتحول الى وئام قريبا عندما تتوفر الثقة وتتسع الصدور ويعمل الكل من أجل المنفعة العامة لا المنفعة الفردية.. والى مزيد من الثقة المتبادلة بين الصحافة والمؤسسات الاخرى, فبهذه الثقة نحقق ما نصبوا له.