نسمح اليوم لأنفسنا أن نستعير تعبيرا بليغا هو: (صبغة المحرقة) وقد صكه صديقنا الدكتور يحيى الجمل (جريدة الأسبوع القاهرية 7/2/2000) ويقصد به الفقيه الدستوري البارز ذلك الاتجاه أو تلك المقولة التي أصطنعها يهود عصرنا حول اضطهادهم وتعرضهم لمحارق الهولوكوست الشهيرة , فإذا بالعالم أمام أسطورة شهيرة تحولت بفعل التكرار والإصدار والإعلام المكثف والمدروس إلى حقيقة لا تقبل الجدل, ومن يجادل في أمرها يعرض نفسه لخطر عظيم. وزارة النمسا وقد تجلت صنعة المحرقة هذه خلال الفترة القريبة الماضية وسط الأنباء التي ترامت والأحداث السياسية التي وقعت وتشابكت مواكبة للتشكيل الوزاري الائتلافي الجديد في النمسا. وكم يبلغ النفاق اليهودي الصهيوني مبلغه حين ظلوا ساكتين وسعداء هانئين في حقبة السبعينيات مثلا من القرن الماضي حين كان على رأس السلطة الاعلى في النمسا ذاتها مستشار يهودي هو (برونو كرايسكي) , وكم ظلوا يتغنون بمآثر صحفي نمساوي أيضا أصبح مرجعيتهم الأعلى في فكر الصهيونية وفي مشروعها الإمبريالي التوسعي على حساب شعبنا العربي في فلسطين واسمه كما نذكر جميعا تيودور هرتزل. ولكن عندما لاحت بوادر ائتلاف حكومي جديد يشارك فيه حزب الحرية النمساوي عمد اليهود الصهاينة الإسرائيليون, ولا فرق, إلى إقامة الدنيا دون أن يقعدوها.. لماذا ؟ .. لأن زعيم الحزب المذكور السيد (هايدر) بدرت عنه تصريحات في الماضي أشاد فيها بقوة الزعيم الألماني الأسبق هتلر على معالجة مشكلة البطالة خلال فترة صعوده في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. نحن نرفض العنصرية ونبادر بادئ ذي بدء إلى إعلان رفضنا لكل الطروحات العنصرية والنظريات الشعوبية التي صدرت عن حقبة هتلر النازية في ألمانيا.. ان حضارتنا العربية الإسلامية تقوم على أساس جامعة الثقافة وآصرة الحضارة ووشائج الفكر واللغة والإبداع الإنساني, وتستظل كما هو بديهي ومؤكد وراسخ موروث بالمبدأ النبوي النبيل الذي يؤكد: أن لا فضل لعربي على عجمي (بمعنى غير العربي بالإطلاق) ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى. مدركين في ذلك أن السماء تخاطب الناس من عل فتقول: (وجعلناكم شعوبا وقبائل (بمعنى أمما بشرية وجماعات ومجتمعات إنسانية) لتعارفوا (بمعنى التفاعل وتبادل المعرفة وشركة المعلومات والمنافع والمصالح المشروعة) ان أكرمكم عند الله أتقاكم (بمعنى أحرصكم على مرضاة الله وأكثركم نفعا للناس)) . لكن الذي يروعنا هو ذلك الكم الهائل من النفاق الذي توسلت به إسرائيل, وذلك القدر الخطير من الضغوط المتعمدة التي لا تنفك تمارسها ابتزازا معنويا وإرهابا فكريا على كل من تسول له نفسه في التعبير عن رأي, أو الإعراب عن خلجة شعور راودته بشأن هذه القضية أو ذاك الموضوع. مؤتمر شمال أوروبا ولقد كان من سوء المصادفات أن شهدت منطقة اسكندناوه في شمال أوروبا النوردي في أواخر الشهر الماضي, مؤتمرا نراه غريبا ان لم يكن سخيفا أو خبيثا تنادى إليه لفيف من المسئولين الحكوميين والمتنفذين في بلدان شتى.. وبدلا من أن يجتمع مثل هذا الحشد لدراسة اتقاء الكوارث الطبيعية الفادحة التي تجتاح العالم ـ جفاف وعواصف وزلازل وفيضانات تهلك الزرع وتودي بالحرث والنسل ـ أو لبحث فشل التنمية, مما أوصل ملايين البشر في العالم الثالث إلى الحياة تحت خط الفقر بل دون مستوى معيشة الإنسان, أو فلنقل يا مولانا لبحث قضايا العنف والجريمة العابرة للحدود والبطالة في العالم الأول المتقدم .. بدلا من هذا كله, وقائمة المشاكل والكوارث فادحة حافلة, فقد اختار المجتمعون في العاصمة الاسكندنافية أن يبحثوا قضية (الهولوكوست) , المحرقة اليهودية التي قالوا إنها نصبت خلال (الحقبة النازية) إبان اشتعال اتون الحرب العالمية الثانية. أوروبا وتقليب الدفاتر ان أهل العالم الأول المتقدم ينعون علينا نحن أبناء العالم الثالث أننا موغلون مبالغون في استدعاء الماضي وهم يتبرعون ـ كثر الله خيرهم ـ بنصحنا أن نعزف عن الإلتفات إلى الوراء وأن نتطلع دوما إلى المستقبل, لكن ما بالهم وقد اجتمعوا كي يقلبوا في دفاترهم القديمة التي عفا عليها الزمن, كم استهلكوا من الوقت والجهد, وهم أعرف الناس كما يدعون بقيمة الوقت والجهد, لكي يستدعوا ماضيا أنقضى عليه نحو 70 سنة, ولكن شاء سدنة الصهيونية وأصحاب المصالح الإسرائيلية أن يستدعوه أمامهم وأن يصطنعوا له ولهم ما يسمونه شهادات حية ومستندات موثوقة ووثائق دامغة كما يدعون. هنالك انتفضت أوروبا بالذات في غضبة نراها مصطنعة تدين ما حدث منذ نحو ثلاثة أرباع القرن وتطالب, وهذا هو مربط الفرس الصهيوني, بمزيد من التعويضات والكل يعلم أن دفع التعويضات يتم من باب سد الذرائع وإسكات أصوات الابتزاز وقفل الباب الذي يأتي منه الريح من أجل أن يريح رجل السياسة ويستريح, والابتعاد عن الطنين الذي لا ينقطع أو الزن المتواصل اللحوح في تكرار ممل ممجوج لا يسكت ولا يهدأ يصدر دون انقطاع عن آلة الدعاية اليهودية الصهيونية التي ترى في كل هذا الزن المتواصل معينا لا ينضب من الأموال الهاطلة والطائلة على شكل تعويضات مادية عسكرية في بعض الأحيان (كما حدث مع ألمانيا) أو مالية في أحيان أخرى (كما حدث مع بنوك سويسرا بالأمس القريب) أو هي على شكل مزيد من النفوذ السياسي في دوائر صنع القرار (كما يحدث حاليا على مستوى دول الوحدة الأوروبية إزاء الائتلاف الحاكم حاليا في فيينا). ملامح النفاق انك تكاد تلمح آفة النفاق اللعين تطل بسحنتها المقيتة من ثنايا هذا الموقف الأوروبي الغربي إزاء ائتلاف النمسا. عندما يفوز حزب أوروبي بنسبة لا تعدو ثلاثة أو خمسة في المئة من أصوات الناخبين, فإن القوم في أوروبا لا يلبثون يهللون للديمقراطية ويطالبون بنصيب للحزب المذكور في تشكيلة الحكم بدعوى أنه فاز بنسبة ما من ثقة جموع الناخبين منهم, لكنهم بضغط وابتزاز الأوساط اليهودية والإسرائيلية الصهيونية يسمحون لأنفسهم بأن يعترضوا وينظموا المظاهرات ويصدروا البيانات التي ترفض مشاركة حزب الحرية النمساوي إياه في حكم بلاده بعد أن فاز بما يزيد على ربع أصوات الناخبين. صداع الديمقراطية وكم صدعوا أدمغتنا نحن مساكين العالم الثالث بدروس الديمقراطية واحترام إرادة الشعب والوقوف إجلالا واحتراما أمام صناديق الاقتراع, وكم نصبوا أنفسهم للحديث عن سيادة الدول في إطار قواعد القانون الدولي وعن مساواة الدول في السيادة وكل هذا كلام طيب وجميل, لكن ما بالهم وقد تناسوا هذا الذي أوجعوا به دماغنا, وهذا الذي حرصوا على أن يحاضرونا فيه وقد عينوا أنفسهم في موقع المعلم والأستاذ؟ لقد سمحوا لأنفسهم أن يرفضوا نتائج الانتخابات وأن يعترضوا على ثقة أكثر من ربع الشعب النمساوي, وهو شعب قضى على الأمية الهجائية منذ زمن بعيد, وقطع فراسخ في مضمار الوعي السياسي بالشأن القومي العام منذ زمن ليس بالقريب.. وكأن السادة في الغرب الأوروبي يوشكون على تقديم الديمقراطية وهي صنمهم المعبود قربانا على مذبح مصلحة الصهيونية وإسرائيل لأن هناك حزبا في النمسا تجاسر على تقييم رأوه إيجابيا لعمل من اعمال هتلر, ناهيك أن يجرؤ قلم أو سياسي أو لسان على أن يفوه بكلمة أو يخط حرفا فيه إشارة ولو تلميح من بعيد لبعيد تناقش مدى مصداقية الهولوكوست, لا من حيث حدوثه أصلا, ولكن على الأقل من حيث عدد اليهود الذين راحوا ضحيته, وهذا لعمرنا أضعف الإيمان, وبمناسبة حجم المضطهدين اليهود في الهولوكوست فنحن نكتب هذه السطور وأمامنا تصريح أدلى به البروفيسور رجاء جارودي في معرض الكتاب الأخير بالقاهرة قال فيه: يزعم اليهود أن محرقة الهولوكوست أودت بحياة 6 ملايين يهودي.. والحاصل أن الوثائق الإحصائية تؤكد علميا وموضوعيا أن يهود أوروبا أبان حقبة الحرب العالمية الثانية كان عددهم 3 ملايين يهودي لا أكثر. محرقة جارودي لا غرو أن ينصبوا للأستاذ جارودي نفسه محرقة اضطهاد شخصية لأنه تجاسر على قول الحقيقة, لا شفقا بالنازي, ولكن احتراما للحق والعلم بالدرجة الأولى. ويزداد النفاق الغربي أوروبي صفاقة وإمعانا حين تجلس أوروبا, بجلالة قدرها, لكي تقلب دفاتر عقدي الثلاثينيات والأربعينيات وتصغى إلى مقولات مشكوك في صحتها أو هي موضع جدال علمي في أقل تقدير وتتوجع مرسلة الزفرات الحارة على مظالم قيل أنها لحقت باليهود, كل هذا ودونها أوروبا الغربية وليس غيرها محارق حقيقية و هولوكوست واسع النطاق, واقع حال _ بتشديد اللام ـ في أرض شعب الشيشان, وكم كان هذا الهولوكوست المعاصر المنصوب لشعب مسلم يقاتل أبناؤه ويجودون بأرواحهم من أجل الاستقلال الوطني وإقرار حق تقرير المصير, لا هم يعتدون على أراضي شعب آخر ولا يجترئون على مقدسات أمة أخرى و لا اغتصبوا مقدرات بشر آخرين (وهو عين ما فعلته وما برحت تفعله قوى الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل) ومع ذلك فقد ظلت أوروبا طيلة الأشهر الماضية, ورغم مشاهد التدمير والحرق والغزو الجوي والتقتيل العشوائي بغير تمييز بين الجندي والمدني, وهو ما أمعنت قوات الجيش الروسي في ارتكابه في الشيشان, ظلت أوروبا تكتفي ببيانات تصدر على استحياء عن مؤسسات حقوق الإنسان أو بتصريحات من باب إبراء الذمة أو رفع العتب, كما يقول اللبنانيون, إزاء حوادث الشيشان وهي ـ أوروبا ـ تعتصم عن اتخاذ إجراءات ناجزة, حقيقية, فعالة ومحترمة وذات مصداقية, تعتصم بالصمت. النمسا و الأمثولة ونحسب أن النمسا ليست هي المقصودة في حد ذاتها بالإدانة الصهيونية, إنها في تصورنا مجرد تكئة تتعلل بها إسرائيل الصهيونية لكي تصنع منها أمثولة وعبرة أمام سائر الأوساط العلمية الاكاديمية التي بدأت حاليا تشمر عن ساعد الجد كي تعيد تقييم أحداث وتحولات ومنعطفات القرن العشرين, ماله وما عليه, ثم هي أمثولة وعبرة أمام أي سياسي يبدي رأيا يراه موضوعيا في إسرائيل, تاريخها وركائز قيامها, ناهيك عن مخطط استعمارها الراهن لأراضي فلسطين وسوريا ولبنان على السواء. إسرائيل لا تتورع حاليا عن اتباع منطق المبالغة الزاعقة والصوت العالي إلى حد الصمم والإدانة إلى حد الإيغال .. أنها تتبع منطق مكيافيللي الشهير الذي نصح فيه (الأمير) بأن يبادر إلى استخدام أفعل التفضيل وصيغة المبالغة الموغلة التي تجتاز حدود أي منطق حيث يسكت الناس, لا بفضل الاقتناع, ولكن من فرط الدهشة الصاعقة بفعل عدم التصديق. ليس صدفة مثلا أن تعمد إسرائيل إلى التدخل في شئون دولة أوروبية ذات سيادة فإذا بها تصف يوم تشكيل وزارتها الجديدة في فيينا بأنه يوم أسود, ولا هي صدفة أن تعلن إسرائيل أنها ستحرم الزعيم النمساوي (هايدر) من دخول اقليمها (طبعا لأنه نازي أو بدعوى أنه نازي النزعة وبمعنى أنه إرهابي) وهي إسرائيل وليس غيرها ضمت من قبل في حكومتها وغدا اسمه شارون وترأس حكومتها من قبل إرهابي باعتراف الحوليات الدولية اسمه مناحم بيجين. والذي حدث أن النمساوي أدلى بتصريحات كلامية, في حين أن الذي حدث أن الصهيوني بيجين ارتكب مذابح موثقة دموية ورهيبة في الفترة نفسها الهولوكوست إياه, وأن شارون هو جزار مذابح صبرا وشاتيلا في آخر عقدين فقط قبل انقضاء القرن العشرين.