ما الفرق بين العقلية القيادية العربية والعقلية القيادية الاسرائيلية؟ هذا هو السؤال الذي لا يكف عن الدوران في ذهنك عندما تطالع الجزء الاخير من مذكرات د. هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي السابق في سبعينيات القرن الماضي والصادر حديثا ورويدا وكلما توغلت في قراءة الروايات المثيرة التي يقصها عليك هذا السياسي الامريكي ذو العقلية الاستراتيجية الفريدة تتبلور لديك الاجابة عن السؤال. كيسنجر لم يشارك في المفاوضات المباشرة التي انتجت (كامب ديفيد) عام 1979 غير انه كان صاحب المرحلة السابقة لكامب ديفيد التي مهدت الارض للقاء التفاوض التاريخي بين الرئيس المصري انور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيجن برعاية الرئيس الامريكي جيمي كارتر... ذلك اللقاء التفاوضي الذي افرز اول معاهدة سلام عربية مع اسرائيل. ومرحلة كيسنجر اشتهرت باسم (دبلوماسية الخطوة ـ خطوة) حيث انه كان ينتقل جوا بين عواصم عربية والعاصمة الاسرائيلية تل ابيب في منتصف السبعينيات حين لم يبرز بعد اعتراف عربي رسمي بالدولة اليهودية. كان كيسنجر يحط رحاله في القاهرة مثلا. وبعد محادثة مع السادات يشخص الى تل ابيب او القدس ليتباحث مع اسحاق رابين. ثم ينتقل الى دمشق للاجتماع مع الاسد وهكذا دواليك. ولان ما يرويه كيسنجر في مذكراته هو تفاصيل ما لم ينشر عن تلك المرحلة فان ما يقدمه لك في وقائع وملاحظات يغريك باجراء مقارنة بين العقلية القيادية العربية والعقلية القيادية الاسرائيلية. بعد عدة رحلات بين القاهرة وتل ابيب ذهابا وإيابا يقول كيسنجر انه في مواجهة تصلب تفاوض اسرائيلي كانت هناك مرونة مصرية تمثلت في تنازلات فورية قدمها الرئيس السادات وقال رابين انها لا تكفي. ومن هذه النقطة يواصل كيسنجر قائلا: (استمر الجانب المصري في تقديم التنازلات بالرغم من الموقف الاسرائيلي المتصلب. وبعد ان ظننت ان السادات ليس بوسعه تقديم اكثر مما قدم حتى الآن جاءني وزير خارجيته اسماعيل فهمي بتنازل جديد يهدف الى تهدئة المخاوف الاسرائيلية. هذا التنازل الجديد كان عبارة عن تعهد مصري مقدما بعدم لجوء مصر الى الحرب ضد اسرائيل حتى في حال فشل عملية السلام. ومع ذلك لم يقتنع القادة الاسرائيليون... فقد كانوا يصرون على اعلان رسمي مصري (بالغاء حالة العداء) مع اسرائيل الى الابد. ونعلم ان الاصرار الاسرائيلي هو الذي انتصر عندما جرى ابرام معاهدة كامب ديفيد بعد اربع سنوات من دبلوماسية كيسنجر. والسؤال: لماذا؟ ان كيسنجر نفسه طرح هذا السؤال على نفسه بغير قليل من الاندهاش تجاه الاسلوب التفاوضي للسادات حيث قال في سياق المذكرات: كلما ظننت ان السادات وصل الى النقطة التي لا يستطيع بعدها تقديم اي تنازل اخر كلما فاجأني بالمزيد من التنازلات! لم يقل كيسنجر صراحة انه يستخف بالعقلية القيادية العربية لكنه قال ذلك ضمنا بعبارات انتقائية مهذبة لا تخفي المضمون. والمأساة الحقيقية هي ان الماضي صار حاضرا. فالعقلية التنازلية هي التي تتحكم بعد اكثر من ربع قرن من (دبلوماسية الخطوة ـ خطوة) في نهج التفاوض الفلسطيني مع اسرائيل. ومن المثير حقاً ان كيسنجر لم يخف دهشته من كم التنازلات العربية على يد السادات. لكن مما اثاره اكثر ـ كما روى ـ ان التنازلات كانت تترى الواحدة بعد الاخرى حتى قبل ان يحصل الجانب العربي على أي شيء في المقابل من الجانب الاسرائيلي الذي كان يكتفي بالتصلب عند موقفه الاولي يطالب الطرف الآخر بالمزيد تلو المزيد من التنازل. وهذا بالضبط ما جرى ويجري على صعيد التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي. اما لماذا يكون هذا الفارق الجوهري الكبير بين العقلية العربية والعقلية الاسرائيلية, فهو لانه يمثل الفرق بين الاوتقراطية الفردية الذاتية والالتزام الديمقراطي المستمد من قاعدة شعبية.