من القضايا الجوهرية التي طال الجدل بشأنها, مسألة التكاثر السكاني, سواء على الصعيد العالمي, او على صعيد كل قطر, على حدة, ويبلغ عدد سكان الارض, اليوم, كما هو معروف, اكثر من ستة مليارات نسمة, ويرى بعضهم, انه اذا سمح لهذا الرقم بالصعود السريع, دون ضوابط , فإن الامر سيفضي في المدى البعيد الى الضغط على موارد الارض والى ندرة الغذاء والماء والطاقة, ناهيك عن تلويث البيئة. واول من لفت الانظار الى مشكلة التفجر السكاني العالم مالتوس, اما باري كومونر, فقد بين في كتابه (الدائرة المغلقة) ان موارد الارض الغذائية محدودة, وانه كلما ازداد عدد سكان العالم, قلت على المدى البعيد حصة كل فرد من الغذاء والماء وانخفض مستوى معيشته, ويرى مؤيدو مالتوس وكومونر ان من الضروري الحد من النسل بمختلف الوسائل بما فيها استخدام اساليب منع الحمل, حفاظا على موارد الارض المهددة بالنفاد والنضوب التدريجيين, اما وجهة النظر المضادة, فتحاجج بأن تكاثر السكان سيسفر عن تزايد اعداد العباقرة والمخترعين والمفكرين والاطباء والمهندسين والادباء, وعن توسع الطاقات والقدرات البشرية, والاستثمار الافضل والأحكم لثروات الارض الغذائية والمعدنية, مما سينعكس ايجابيا على مستقبل العالم. هناك اذن رأيان متعارضان بشأن الموضوع الذي نحن بصدده فأيهما على حق؟ يبدو ان حجج الطرفين تكاد تكون متعادلة ففي كتاب (الاستعداد للقرن الحادي والعشرين) يؤيد بول كنيدي وجهتي نظر كومونر ومالتوس مبينا ان عدد سكان الارض سوف يصل الى عشرة مليارات نسمة في منتصف القرن الحادي والعشرين, وهذا من شأنه ان يؤدي الى تحديات بيئية تختلف عن تلك التي سادت في القرن المنصرم, فقد كان التحدي انذاك يتجلى في التلوث بأوكسيد الكربون. اما اليوم, فهناك اخطار التسربات الاشعاعية والتجفف في الاراضي والصخور ناهيك عن تغيرات الطقس وازدياد تأثير البيوت الزجاجية والهجوم المتعاظم على الغابات, وكذلك ارتفاع مستويات البحار, وكذلك نقص الامدادات المائية وتضرر الاجناس النباتية والحيوانية, صحيح ان هذه التهديدات كانت قائمة في العقود الاخيرة, الا ان خطرها سوف يزداد ويتجسد في العقود المقبلة, ويرى كنيدي حتمية استمرار الاتجاهات الديموغرافية السكانية الحالية وهذا يعني ان كل عقد جديد يحمل معه بليون فم جديد. ومع تكاثر السكان وانتعاش التصنيع, سيزداد انتشار ثاني اوكسيد الكربون, ومهما فعل العالم لتغيير الوضع فإن هذا لن يؤثر الا بدرجة محدودة, حسب رأيه, فمثلا لقد تم رفع كفاية الفلاحين الذين يسبب جهلهم الكثير من الهدر كما جرى توسيع رقعة الاراضي الزراعية من خلال الافادة من الاراضي الاحتياطية المهملة وامكن كذلك تطوير التقانة الزراعية وتحسين نوعية الاسمدة ومع ذلك فإن الانتاج العالمي من الغذاء مازال عاجزا عن مجاراة ازدياد السكان. والمشكلة العويصة هي اننا لكي نوفر المزيد من الغذاء والكساء والمأوى لمزيد من الناس, لابد لنا من زيادة الانتاج, اما انصار التزايد السكاني فيستشهدون بحالات الصين والهند والباكستان فمع ان هذه الدول مكتظة سكانيا, فإنها تشهد تقدما في ميادين عديدة, ولايثقل كواهلها نقص الغذاء في حين ان هناك دولا افريقية فقيرة سكانيا, كالصومال والسودان, مازالت ترزح تحت وطأة ندرة المواد الغذائية وشح المياه الصالحة للشرب. ان في العالم اليوم موارد غير مستغلة, ومساحات شاسعة من الاراضي الصالحة للزراعة, والتي لاتجد اليد العاملة التي تستغلها, وهناك ايضا اناس متخمون يأكلون اكثر بكثير مما تحتاج اجسامهم بالفعل, كما ان غيرهم يلقون يوميا في القمامات من الغذاء مايكفي لاطعام اعداد كبيرة من الجائعين. ومجمل القول ان التطوير الافضل للموارد وترشيد الاستهلاك وعدالة التوزيع لا الحد من المواليد الجدد, هي في نظر الانصار الحل الامثل لمواجهة حاجات الاعداد المتزايدة من الناس ولكن هذا ليس الاساس الوحيد الذي يدفع الكثيرين الى تبني موقف ايجابي تجاه التكاثر السكاني, اذ ان الاهم من كل ماسبق ضرورة الانسجام مع سنة الحياة وقوانين الطبيعة والتوازن البيئي فقد اثبت الزمن بما لايدع مجالا للشك ان تدخل الانسان في النظام الطبيعي هو الذي يفسد التوازن ويفضي الى الاختلال والاعتلال. ومن الامثلة الحية والطريفة على ذلك ان الانسان عندما كان يلجأ الى ابادة نوع من الحشرات درءا لخطره, يجد احيانا ان نوعا اخر اشد خطرا منه, قد بدأ يتكاثر وتفسير ذلك, ان النوع الاول يقتات من النوع الثاني فيحد منه وعندما نقضي على النوع الاول الخطر, ينفسح المجال لانتشار النوع الثاني الادهى خطرا, وتأسيسا على هذا اذا كانت الحياة تقوم على الاخصاب وتجدد النسل, فإن تدخل الانسان في هذه العملية عن طريق موانع الحمل او وضع القيود على الزواج, او غير ذلك من الوسائل المضادة للطبيعة يعني تدخلا في قوانين الحياة التي اوجدتها الارادة الالهية, ولايمكن ان نحصد من وراء ذلك بالطبع الا الضرر الجسيم, ويزداد هذا الضرر وبالا , عندما تكون وسيلة التدخل موانع الحمل التي تؤدي الى تغيير العمليات البيولوجية والكيميائية الطبيعية في جسم المرأة. فلنترك الطبيعة, اذن تعمل كما تشاء ولنترك النسوة يحملن ويلدن كما اراد الله لهن, واذا كنا نخشى ان يؤدي تكاثر السكان الى تناقص الغذاء والماء والدواء ودور السكان فلنبحث عن وسائل اخرى, غير الحد من النسل لتطوير الموارد المختلفة. ويضع الانصار آمالهم بصورة خاصة في التكنولوجيا الحيوية التي تستخدم العضويات في سبيل صنع المنتجات, او تحسين اجناس النباتات والحيوانات. وقد انبثقت هذه التقانة عن التقدم الدراماتيكي الذي احرزه العلم في مجال الشفيرة الوراثية, ويتوقع هؤلاء ان تؤدي التقانة الحيوية, بنوعها الزراعي والطبي, الى تخفيف او ازالة الهوة بين التكاثر السكاني والانتاج الغذائي والدوائي. وهكذا فإننا نجد ان للتكاثر السكاني, مسوغاته ومحاذيره, وهو نقمة ونعمة في آن واحد. وهذا حكم عام, واذا اردنا ان نكون اكثر دقة وتخصيصا نقول ان هناك حالات يستحسن فيها التدخل والحد من التكاثر الانساني بطرق انسانية وطبية غير ضارة, بينما توجد حالات اخرى يمكن فيها ترك الطبيعة تفعل فعلها, وبالتالي منح جواز السفر لمن يريد من المواليد الجدد ان يدخل عالمنا المعاصر, على قاعدة (بيت الضيق يتسع لكل صديق)