تتحرك الجزائر وفرنسا في إتجاه تفعيل علاقتهما المكهربة منذ عام 1999, بعد ما تعقدت أكثر في السنوات التي تلت وقف المسار الانتخابي بالجزائر, حيث وظفت باريس سياستها الخارجية وأجهزة اعلامها للتدخل في شئون الجزائر وتشويه سمعتها الدولية, وراحت فرنسا تغلق قنصليتها ومكاتب خطوطها الجوية بإسم الضرورات والاجراءات الأمنية, واعتبرت الجزائر التصرفات الفرنسية الصادرة من (الإليزي) و(الكيدرسي) تصرفات غير قانونية وسياسية صادرة من دولة تدعي احترام مبادىء الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة الدول الأخرى وتعتبر نفسها (وصية) على مقاطعاتها الإستعمارية سابقا على رأسها الجزائر التي حاولت فرنسا جاهدة الحفاظ عليها تحت سيادتها لأنها تعرف ما تتمتع به الجزائر من موقع استراتيجي وثروات باطنية كبيرة رغبت فرنسا ان تبقى هذه المصادر تحت تصرفها المباشر. كما إن العديد من السياسيين الفرنسيين لم ينسوا الدرس الذي لقنه لهم المجهادون الجزائريون خلال ثورة التحرير, حيث خرجت فرنسا بقيادة الجنرال ديجول مهزومة ومنحطة معنويا بعد (132) عاما من استعمارها واستعبادها شعبا نال حريته بالحديد والنار, وهكذا عندما دخلت الجزائر في مرحلة من اللااستقرار السياسي والأمني بعدما توقف المسار الانتخابي عام 1991 كانت فرنسا أول دولة اوروبية سعت الى صب الزيت على النار, وراحت تتهم السلطات الجزائرية وفي مقدمتهم جنرالات الجيش الجزائري الذي يعتبر سليلاً لجيش التحرير الوطني, راحت تتهمهم بالتواطؤ في المجازر وتنشر اخبارا مضللة على صدر صفحاتها الاولى عن عدد القتلى والمجازر الوهمية, وتتهم افراد الجيش بالضلوع فيها, والهدف الذي كانت ترمي اليه فرنسا معروف, وهو تشويه سمعة الجزائر الدولية التي اكتسبتها بعد أن نالت استقلالها. يكفي ان صوتها كان مسموعا ومحترما في المحافل الإقليمية والدولية وبالتوسط في قضايا ونزاعات دولية معقدة, لعل اهمها قضية الرهائن الامريكان الذين احتجزوا في السفارة الامريكية بطهران عام 1979 ونجحت الجزائر بحل القضية بالطرق السلمية, وهي لاتمتلك القوة العسكرية ولا القوة الاقتصادية التي تتمتع بها فرنسا, ولكنها نجحت في جميع وساطاتها لأنها تمتلك (الرصيد الثوري) وتستند الى مبادىء ثابتة في تعاملاتها الدولية, وفرنسا لاتحبذ طبعا ان يصبح صوت الجزائر مسموعاً ومحترما وتستدعى في المواضيع الدولية المعقدة بينما لا تستدعى هي, فمثل هذه المسائل تحسب لها فرنسا ألف حساب كما إن فرنسا أخطأت في حساباتها السياسية عندما اعتقدت وجزمت ان الازمة الامنية والسياسية ستمتد لعشرية أخرى عندها لن تجد الجزائر أمامها للخروج من معضلتها إلا فرنسا, وهذه الفرصة عولت عليها وانتظرها الرئيس الفرنسي كثيرا وهو الرجل الديجولي الذي يحلم ان يسترد مكانة فرنسا في القارة الافريقية وأولها المناطق المستعمرة سابقا, وذلك خوفا من ان تصبح مناطق امريكية جديدة.. وتفكر الولايات المتحدة الامريكية في الاستحواذ على الاسواق الافريقية في اطار ترتيباتها للعالم الدولي الجديد التي تنفرد به منذ أن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, وانهارت المنطقة الاشتراكية في اوروبا الشرقية, وتراجعت مكانة فرنسا وبريطانيا أمام تصاعد مكانة قوى جديدة كاليابان والصين والمانيا الموحدة منذ منتصف الثمانينات. وتعتقد فرنسا أن مكانتها ومصالحها الاستراتيجية ستتراجع إذا ما أسرعت وأعادت ترتيب ادوارها في المناطق التي تعتقد أنها تتبع المصالح الامريكية أو اليابانية أو الالمانية مباشرة, لإجل ذلك سارعت الى مطالبة الجزائر بإعادة الدفء إلى علاقتهما عندما اكتشفت أن الجزائر نجحت في التكيف مع وضعها الداخلي, وأنها بدأت تسترجع عافيتها بعد انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للجزائر, والذي شككت فرنسا كعادتها في النتائج التي حصل عليها كما شككت قبل ذلك في كفاءة الجزائر على بناء مؤسسات دستورية منتخبة دوما, لأجل ذلك صرح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة غداة انتخابه مباشرة وفي ليلة إعلان نتائج فرز الانتخابات على أن الجزائر لا تقبل الوصاية من فرنسا ولا تقبل أن تهان ثانية, وصرح بمثل هذا الكلام لأنه يعرف وهو الرجل السياسي الذي عاصر جميع مراحل تطور العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ استقلال الجزائر بأن فرنسا ترفض بأن تكون على ضفتها الشرقية من حوض البحر الأبيض المتوسط دولة عربية مستقرة ومستقلة في قراراتها خاصة إذا كانت هذه الدولة العربية مستعمرة فرنسية سابقا.. ويظهر أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك فهم ما يعنيه الرئيس الجزائري من تصريحاته واستدعاه ذلك ارسال وزير داخليته إلى الجزائر الأشهر الماضية بهدف (تلطيف الاجواء) والاعداد لزيارة وزير الخارجية الجزائري لفرنسا وهذا ما حصل الايام الماضية حيث زار وزير الخارجية الجزائري فرنسا والتقى نظيره الفرنسي وأعلن هذا الاخير استعداد بلاده تفعيل العلاقات مع الجزائر اكثر بعد أن كان وزير الخارجية الفرنسية اشرف على أفتتاح قنصليتي (عنابة) و(وهران) المغلقتين منذ عام 1994 وذلك بعد ان صرح الرئيس الجزائري ان الجزائر لن تقبل أن تهان كرامة أولادها الذين يضطرون الى التوجه الى تونس للحصول على تأشيرة الدخول الى الاراضي الفرنسية, لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: لماذا تتودد فرنسا للجزائر وتطالبها بانعاش علاقتهما؟ الجواب نجده في تخوف الدوائر الفرنسية من مسعى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الى تنويع علاقات الجزائر بالدول الاوروبية الفاعلة وأهمها اسبانيا وايطاليا في ميدان الاستثمارات والتبادلات التجارية بدليل إن زيارة وزير خارجية فرنسا السابقة تزامنت مع زيارة وزير خارجية اسبانيا للجزائر, ومثل هذه المواقف لاترضاها الدوائر الفرنسية التي ترفض ان تنافس القوى الاوروبية فرنسا على الاسواق المغاربية, هذا من جهة ومن جهة أخرى الدوائر الفرنسية مندهشة من المقدرة التي عالج بها الرئيس الجزائري الملف الامني بسرعة قياسية (اعادت الجزائر الى الاهتمام بالحياة العربية والدولية, وأكثر من ذلك كله ترغب الجزائر في انعاش اقتصادها الداخلي الذي يعرف ركوداً كبيرا, وذلك بسبب ارتفاع نسبة خدمة الديون الخارجية وحاجة المؤسسات الكبرى إلى هيكلة جذرية, كما إن الجزائر ترغب في فتح اسواقها امام المستثمرين الاجانب بعد تحرير الاقتصاد بشكل كامل, ورحبت العديد من الشركات الاسبانية والايطالية واليابانية بالاستثمار بعد أن استتب الوضع الامني الداخلي, كما إن الجزائر ستولي الاولوية والاهتمام والرعاية للشركات التي ايدت ووقفت الى صف الجزائر في محاربة ظاهرة الارهاب كإسبانيا مثلا, ولن تنسى الجزائر تلك الدول التي جعلت اراضيها أوكارا لجماعات الارهاب وأمدتها بالمال والسلاح لكي تزرع الموت في صفوف الشعب, واغلقت ابوابها أمام طلب الجزائر منها المساعدة في مكافحة هذه الظاهرة. وتنظر الجزائر لعلاقتها بفرنسا على أنها علاقات يتوجب تدعيمها في إطار العلاقات مع دول الاتحاد الاووبي من جهة وفي اطار تفعيل العلاقات المتوسطية من جهة أخرى حيث كانت الجزائر شريكا رئيسيا أثناء التوقيع على إتفاقية برشلونة التي دعت الى إنشاء سوق متوسطية حرة عام (2010).. ومن هذا المنطلق ستتعامل الجزائر مع فرنسا على أساس المصالح المتبادلة لاغير, وليس من باب (العلاقات التاريخية المميزة) لإن العبارة السياسية هذه التي توظفها الدوائر الفرنسية عند الإشارة إلى العلاقات الجزائرية الفرنسية ترفضها الجزائر لانها عندما احتاجت للدعم الفرنسي لم تجده فكيف بها تعطي الافضلية لعلاقتها بفرنسا اليوم؟! وبإعتقادنا تدرك فرنسا عمق خطأها السياسي وتعمل على إصلاحه عبر قنواتها السياسية والدبلوماسية عن طريق زيارات وزرائها المتتالية للجزائر حيث ترمي جميع الزيارات هذه الى تسهيل مهمة زيارة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة المتوقعة لفرنسا والتي بدأت الصحف الفرنسية تتكلم عنها بتوظيف عبارات (رنانة) لتلطيف الاجواء السياسية المكهربة بين الجزائر وباريس, كما أن فرنسا مندهشة من العودة القوية المفاجئة للدبلوماسية الجزائرية بعد انتخاب الرئيس الجزائري, فمعظم وكالات الانباء العالمية والصحف البارزة تولي اهتماما لتحركات الجزائر الاقليمية والدولية, فهذه تتحدث عن تطور العلاقات الجزائرية المغربية, وتلك تتحدث عن تحضيرات القمة المغاربية المرتقبة بالجزائر في شهر نوفمبر المقبل, وأخرى تتحدث عن لقاء بوتفليقة وباراك بالرباط والمصافحة الشهيرة بينهماك.