المفاوضات مع اسرائيل (عبثية) : هذا هو الاستخلاص النهائي للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. وهو استخلاص يقوم مقام إصدار حكم اعدام مشروع. ولكن أين يتجه عرفات بعد ذلك بعد أن ثبت عنده بأثر رجعي أن (أوسلو) كان في جوهره انطلاقة على طريق الوهم ؟ بطريقة غريبة لكنها تصدق الواقع المعاش يتناغم وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي مع عرفات حين يقول (إنه لايمكن أن يأمل الفلسطينيون بعودة اسرائيل إلى حدود ما قبل حرب يونيو 67 وانسحابها من القدس الشرقية) . وبكلمات لا تحتمل أي تأويل قال ليفي: (اولئك الذين يعتقدون ان اي حكومة اسرائىلية ومهما كانت تركيبتها بامكانها القبول بالعودة الى حدود يونيو 67 وتقسيم القدس هم واهمون) . لماذا هم واهمون؟ إجابة ليفي واضحة وقاطعة: (لأن مثل هذه الحكومة ستسقط في اليوم نفسه) ! هذه العبارة ذات أثر رجعي أيضا.. فهي تعني ان هناك إجماعا اسرائيليا مسبقا وسابقا على (أوسلو) على عدم العودة إلى حدود يونيو 67 بحال من الأحوال. وأقوال ليفي ليست تنظيرا متبطلاً أو تهديداً اعلاميا أجوف. فالواقع على الأرض يصدقها ويؤكدها. وفي هذا السياق يتحدث الرئىس عرفات نفسه فيقر بأن المستوطنات اليهودية في الضفة وغزة (تتنامى بعد مصادرة الارض) . ويقول إن حكومة باراك, ولما يبلغ عمرها العام, وافقت على بناء 4128 وحدة سكنية استيطانية (وهي أكثر من الوحدات السكنية التي قام ببنائها نتانياهو) . على أن أخطر ما فيها ـ يواصل عرفات ـ (أنها تركز على مدينة القدس الشريف التي هي عاصمة دولة فلسطين) . لكن رغم هذه الاستخلاصات الخطيرة لا يجيب الرئىس عرفات على ذلك السؤال المصيري الذي يتردد الآن في ذهن كل فلسطيني وعربي: ما العمل؟ ما هي الخطوة التالية؟ لقد لخص الزعيم الفلسطيني الموقف والمرحلة بطريقة موضوعية وفي صميم الواقع ونتائجه. والمفترض منطقياً أنه بناء على التلخيص النهائي قد توصل الى توجه جديد مبني على قناعات جديدة تلغي كل القناعات التي أدت الى (أوسلو) أو التي انبثقت عنه عمليا. وربما يتوافر مشروع إجابة على السؤال اذا أخذنا مأخذ الجد ـ بغير قليل من التفاؤل غير الموضوعي ـ تصريحات لأحد كبار مستشاري الرئيس عرفات أعلن فيه تهديدا بانسحاب فلسطيني من عملية التفاوض مع اسرائىل.. على غرار ما فعلت سوريا. اننا نأمل ان يكون هذا التهديد حقيقياً, فالمطلوب الآن هو وضع اسرائىل امام أمر واقع جديد تماما يحمل قادتها حملا على اعادة النظر في (الثوابت) المعلنة بحيث يحدث انقلابا في مسار العملية التفاوضية لصالح الطرف الفلسطيني. واعلان الانسحاب الفلسطيني من العملية ربما يكون الخطوة الانطلاقية على طريق خلق الامر الواقع الجديد. أجل إنها خطوة متواضعة, خاصة ان التهديد الضمني للخطوة لن يكون مدعوما ـ كما هو الحال السوري ـ بهجمات مسلحة ومتصلة على غرار ما يفعل (حزب الله) في الجنوب اللبناني. ولكن هناك عناصر نجاح لهذه الخطوة متاح للقيادة الفلسطينية استغلالها. وعلى هذا الاساس فإن اعلان الانسحاب الفلسطيني من المسار التفاوضي يمكن ان يصحبه أو يتبعه توجه فلسطيني بتوقف أجهزة الامن الفلسطينية عن ملاحقة العناصر الفلسطينية النضالية المعادية لاسرائىل.. وأن تدخل قيادة السلطة الفلسطينية في تحالف مع فصائل المعارضة. وبايجاز فإن المطلوب من القيادة الفلسطينية, كي تستطيع مواجهة اسرائىل بوجه جديد وعزم جديد, هو أن تتصالح مع شعبها أولا.