حينما يحتدم صراع البشر حولنا على توافه الحياة, نكتشف بيقين ان الصراع على التوافه دليل واضح على افلاس الانسان, وعلى غياب الفكرة / العقيدة, المحرك الاساسي في بناء التجارب الانسانية الغنية, وحينما لا ينتمي الانسان لفكرة واضحة, وهدف نبيل, فانه من الطبيعي ان يقع في قلب الفراغ والانتماء لادوات كالمال والمنصب والاشخاص, فتتحول الادوات بقدرة قادر إلى غايات كبرى, ويضيع الانسان. وحينما ينتمي الانسان باصرار وقناعة إلى صراعات قاتلة مؤسسة على الوهم والخطأ, وفقدان الرؤية والمعرفة, فان ذلك دليل اخر على فقدان القنديل أو الضوء أو الهداية, وفي الحياة حولنا يدخل اغلب الناس يوميا معارك الانتماءات السيئة هذه, وبانسحاب عجيب واندفاع, دون ادنى محاولة لطرح اسئلة مهمة جدا: إلى أين؟ ولماذا؟ وحتى متى؟ ومن صناديق البريد ومكالمات الهاتف وشواهد الواقع, تأتينا دلائل هذه الصراعات الصغيرة جدا, والتي لا تتوازى مع عظم كائن كالانسان اسجد له الله الملائكة تكريما واجلالا, فاذا به ينسى أو يتبرأ من نفخة الالوهية التي نفخها الله فيه ويختار طريق الشيطان وغواياته التي لا تنتهي. تأتينا رسائل لا حصر لها تقول بوضوح ان الانسان ما عاد يهتدي بنور البصيرة الانسانية, انه يحارب لاجل لا شيء والا فما معنى محاربة البعض لنجاحات الاخرين؟ وماذا تعني حرب الشائعات والدسائس وشحن الانفس ضد بعضها البعض وبأساليب رخيصة؟ وماذا نسمي لجوء (القادرين) في بعض المؤسسات إلى سياسة الضغط على موظفيهم للاستقالة؟ ولماذا يجامل البعض الاخطاء والخطايا التي تحدث في مؤسساتهم غاضين الطرف عنها؟ ولماذا يكون الضحية دائما هو الانسان الجيد والموظف الذي قاده القدر لكشف السوءات ومخازن الفساد؟ لماذا يسير الكل في طابور المصفقين والموافقين على (اجندة) الفساد في اجتماعات سرية متفق عليها؟ ولماذا.... هذا هو واقع الفساد الذي نعرفه هنا والذي تشير اليه دراسات وتحليلات منظمات عالمية, لكن القضية الرئيسية لا تكمن في وصف طبيعة الفساد, انما في السؤال حول الانسان الذي يؤسس لهذا الفساد, لماذا يفعل ذلك؟ وحينما نعجز عن الاجابة نوقن بأن الامر ليس سوى التهالك في الغوايات التي لا نهاية لها, وايضا فقدان البوصلة الهادية, والاختيار السيىء جدا للهدف. لقد تأملت طويلا في جملة قرأتها تقول: الطيور تقرأ خارطة النجوم والسماء, وتهتدي في طيرانها الطويل بتضاريس السماء من نجوم وكواكب, وتعرف حتى وهي تسافر لأول مرة الطريق مباشرة من اقصى بلاد اسكندنافيا في الشمال حتى الطرف الجنوبي من القارة الافريقية, هذا ما يؤكده عالم الطيور الالماني (سوير) فالطيور تمتلك غريزة موروثة تجعلها قادرة على قراءة خريطة السماء حتى اثناء الليل. اما الانسان فيعجز تماما عن قراءة حتى خريطة نفسه.