باكستان مرشحة للانضمام قريباً إلى القائمة الامريكية للدول (الراعية للارهاب) ليستقر اسمها جنباً إلى جنب مع اسماء العراق وليبيا والسودان وايران وكوريا الشمالية وكوبا الخ. هذا ما يستخلص من تحركات دبلوماسية أمريكية تجاه باكستان وتصريحات ايحائية من مسئولين أمريكيين بشأن حكومة الجنرال برويز مشرف. لكن واشنطن ربما تكون أدخلت نفسها هذه المرة في مخاطرة جسيمة قد تندم عليها. يتبين بالتدريج ان الولايات المتحدة تمارس ضغوطا متنامية على الجنرال مشرف بشأن قضيتين: كشمير وأسلوب العنف القتالي الذي تتبناه فصائل الحركة الكشميرية ضد القوات الهندية في ذلك الاقليم. وثانيا, حكومة طالبان في افغانستان واستضافتها أسامة بن لادن. وما تطلبه واشنطن من اسلام اباد في صدد هاتين المسألتين أشبه بالمستحيل بالمعايير السياسية التقليدية المعتمدة في باكستان منذ استقلالها قبل أكثر من نصف قرن. بالنسبة إلى كشمير فإن واشنطن تطالب الحكومة الباكستانية ليس فقط بوقف دعمها للفصائل الكشميرية المقاتلة, بل ايضا تحجيم ـ وربما تصفية ـ قدراتها القتالية لتهبط الى مستوى تنظيمات غير فاعلة تناضل بالبيانات الكلامية والمؤتمرات الصحفية والمهرجانات الخطابية. أما بالنسبة إلى افغانستان فان ما تريده واشنطن هو حمل حكومة طالبان على طرد بن لادن أو تسليمه إلى أجهزة الامن الامريكية.. وذلك كخطوة أولى يجب أن يعقبها ضغط باكستاني على طالبان بغرض (تدجينها) لتصير سياساتها الداخلية والخارجية (معتدلة) . أجل إن الدولة الباكستانية ظلت تتمتع لمدى عهود الحكم المتعاقبة منذ الاستقلال بنفوذ مادي ومعنوي على مجريات الأمور في اقليم كشمير. وليس مبالغة ان نقول ان حركة النضال الوطني الكشميري تعتمد رغم مواردها الذاتية وارادتها الشعبية على تحالفها الاستراتيجي الثابت مع باكستان في البقاء على قيد الحياة الكفاحية. لكن المسئولين الامريكيين ينسون ان كشمير جزء لايتجزأ من باكستان جغرافيا وثقافيا وعرقيا ودينيا وتاريخيا. هذا على الاقل ما يجمع عليه الشعب الباكستاني بكل قطاعاته وطبقاته في كل زمان ومكان. وعلى هذا النحو فإن تحرير كشمير قضية وطنية باكستانية بقدر ما هو قضية وطنية كشميرية. وعليه فانه مهما تغيرت انظمة الحكم في باكستان فإن قضية كشمير تظل على الدوام حجر الزاوية في التوجه السياسي للنظام. بالتالي فأنه عندما يطالب نظام باكستاني بالتخلي عن شعب كشمير ـ فضلا عن التحرش بفصائله النضالية ـ فكأنما يطالب بالانتحار. اما بالنسبة الى قضية طالبان واسامة بن لادن فإن المسألة اكثر تعقيدا. فالتحالف القائم بين حكومة طالبان وباكستان الدولة منذ ست سنوات عندما خرجت طالبان الى حيز الوجود في المشهد الافغاني كفصيل مقاتل جديد ليس مجرد تحالف استراتيجي بالمعنى السياسي.. انه علاقة مبنية على وشائج عرقية ثقافية بين شقي قومية (البشتون) في كل من افغانستان وباكستان. ولذا فإن اقدام أية حكومة باكستانية على التحرش بحكومة طالبان قد يؤدي إلى اندلاع انتفاضة شعبية داخل باكستان نفسها. ان الولايات المتحدة تنسى فيما يبدو أو تتناسى ان الدولة الباكستانية ولدت أصلا على أساس ديني عندما جرى تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 الى دولتين.. دولة هندوسية ودولة اسلامية. واذا كانت الولايات المتحدة تفضل تناسي الماضي فانه لايليق بها أن تتجاهل صورة الحاضر الواقع. فالقوى السياسية في باكستان لها ـ على اختلافاتها ـ اجندة اسلامية, والمؤسسة العسكرية الباكستانية نفسها ليست استثناء من هذه القاعدة. ولذا فإن واشنطن, بمواصلة ضغوطها على حكومة الجنرال مشرف, إنما تلعب بالنار.