يسود اجواء العمل الاداري في المؤسسات الحكومية نوع من التسابق المحموم في طرح الافكار والمشروعات والتطويرات (الابداعية) لا لذات التطوير او الابداع, ولا تعجيلا لحركة نمو المجتمع والنهوض به الى مصاف المجتمعات المتقدمة, وانما تزلفا ـ من بعض المسئولين ـ لرؤسائهم , حتى بلغ الامر بعضهم ان جعل ذلك على حساب الخدمات الاساسية لدائرته وبدلا من تطوير الية انجازها واحكام تنظيمها في اطر قانونية لاتخل بالمبادىء والاستراتيجيات التي تنتهجها الحكومة ولا تعصف بقيم المجتمع وثقافته ـ كما هو شأن اكثر دول العالم تطورا وتقدما ـ فانه يتفنن في تجاهل تلك المبادىء والقيم وازدرائها وتحويل شروط انجاز الخدمة واجراءاتها الى ممارسة اقرب ما تكون الى (بيع) شطائر على قارعة الطريق. ثم ذهب بعضهم الى ابعد من ذلك وهو ينبش (قمامات) الافكار والمشروعات القديمة بما فيها العفنة او التي لايجني منها المجتمع الا شقاء او نتائج لا طائل اجتماعيا ولا اقتصاديا ولا تقنيا من ورائها بل ولا اي شيء آخر هذا ان لم تكن ماحقة لثقافة المجتمع وقيمه وتقاليده وثوابته. ان تفوق المؤسسات وتطورها واستمراريتها معقود بعاملين اثنين, اما احدهما: فتطور نظمها وهياكلها الادارية ودرجة شموليتها وتعقيدها في تنظيم جوانب العملية الادارية مع مرونتها في مواجهة التغييرات والتحولات المستقبلية, واما العامل الاخر, والاكثر اهمية فهو: الكفاءات القيادية والادارية الممسكة بزمام الامور في تلك المؤسسات وقدرتها على ترجمة مهاراتها العلمية وخبراتها الميدانية واخلاقياتها الى انجازات وقفزات ومكتسبات حضارية. ولهذا تحرص الامم المتقدمة على توفير العوامل المنهجية والموضوعية التي تتضافر تأثيراتها من اجل بناء الكفاءات والطاقات القيادية والادارية, ومن تلك العوامل: الخلفية الثقافية والحضارية والجرعة التربوية الاسرية ومستوى التحصيل التعليمي, والمنظومة التعليمية التي تولت مهمة البناء العلمي والعقلي والتدريبي ونظام التقويم (التقييم) المتبع قبل الانخراط في سلك الوظيفة. دوافع ونماذج دفعني الى الكتابة عن الظواهر او النماذج الادارية في المؤسسات العامة سببان: الاول: لان مجال تأثير هذا النموذج على الحياة الاجتماعية يكون اكثر اتساعا وعمقا. والثاني: لان المؤسسات الخاصة اقدر عادة على انتقاء العناصر الاكثر كفاءة ومشكلاتها تبقى وقتية لقدرتها على حسمها فورا. ولهذا فانني سأتناول فيما يلي طرفا من الظواهر الادارية ذات الحضور المستديم, وذات الاثر الغائر, وذات النتائج التي هي اقرب الى السلبية منها الى الايجابية. وقد تكون الظاهرة او النموذج الاداري في هذه المقالة وزيرا او وكيل وزارة او رئيس دائرة او رئيسا تنفيذيا او مديرا عاما او مدير ادارة او رئيس قسم, التسمية الوظيفية هنا ليست اكثر من تحديد لنطاق المسئولية والصلاحيات اما الخلفية النفسية وانعكاسات ممارسة الوظيفة الادارية فتكاد تتشابه في هذه المستويات الادارية كلها, ولذلك فإنني سأكتفي ـ لاغراض هذه المقالة ـ باستخدام تعبير (مسئول) واما الشخصيات المعنية فيمكن تكثيفها في خمسة نماذج رئيسية: صاحب الفقاعات: انه اشبه مايكون بفقاعة صابون فهو لايتوقف من حين لاخر عن اطلاق (مشروع) او ابتكار او فكرة او اي شيء يعتبره نقلة نوعية في خدمات دائرته وطرائق العمل فيها, ولكنك اذا ذهبت الى تقييم ماهية ذلك الانجاز او الابداع فاجأتك فقاعة صابونية هائلة تلمع بألوانها الخلابة تحت الاضواء التي سلطتها عليها بحثا عن الحقيقة ثم لاتلبث تلك الفقاعة ان تنفجر عن سراب محض وخداع مخطط وان الامر ليس اكثر من فكرة جميلة اراد صاحبنا ان يسبق نظراءه الاخرين بطرحها, وترك الدراسات العلمية والفنية والترتيبات العملية والاستشارات التطبيقية وراء ظهره اما جهلا بأهميتها او ربما جهلا بأهمية الفكرة نفسها او ربما ذهب الى ابعد من ذلك بأن افسد على الاخرين فرصة نفخ الحياة في تلك الفكرة وهكذا يصبح الامر كما قال القائل: تسمع جعجعة ولاترى طحنا. المسئول التائه: لانه عاجز عن فهم الرسالة التي تقوم عليها مهمة دائرته في المجتمع, وبالتالي فهو عاجز عن ترجمة تلك الرسالة الى اهداف والى مشروعات وخدمات وصلاحيات تنفيذية, ولانه يفتقد الى ملكة الابداع وادراك اهمية توزيع الادوار والاختصاصات بين الدوائر الاخرى التي تمثل دائرته واحدة منها في منظومة الهيكل الاداري العام, فإن هذا النموذج لايتوانى عن تفجير مفاجآته على رؤوس الخلائق وهو يطرح افكاره او مشروعاته (الثورية) الجديدة. اما الصدمة الحقيقية فعندما يكتشفون ان هذا التائه يسبغ على دائرته اختصاصات وخدمات هي ابعد ما تكون عن مشرق الشمس من مغربها وانه لايحرج من ان تكون دائرته دائرة حكومية وان تكون في الوقت نفسه حضانة للاطفال او مصحة للامراض العقلية او حتى مزرعة لاكثار الابقار. لص الافكار: انه المسئول الذي افلس من ابتكار افكار او ابداع مشروعات ولهذا فإنه كما يقال بالتعبير السياسي يخشى ان تحترق صورته امام رؤسائه لاسيما اذا كان الوسط الاجتماعي يموج بالافكار والمشروعات التطويرية والانجازات التي يحرزها الاخرون, ولانه يفتقد المهارات الادارية الذاتية ويفتقر الى الملكات الابداعية التي يجب ان يتحلى بها اي شخص يشغل منصبه, أو لأن فريق العمل الذي يديره ضعيف فنيا ـ وهذا أيضا جزء من واجباته ـ فإنه اما ان يحرك (شبكة استخباراته) ثم يبادر ـ وفقا للمعلومات التي تقع بين يديه ـ إلى الاعلان عن مشروعات الآخرين وأفكارهم وخططهم فيسجل ملكيته لها بحق الاعلان عنها, وإما ان تقع عينه على مدير غير لامع أو دائرة بعيدة عن دائرة الضوء فيسرق مشروعاتها وأفكارها ويطرحها أمام الملأ على انها من بنات أفكاره, والالهام الذي لا ينفك يأتيه من بين يديه ومن خلفه آناء الليل وأطراف النهار. المسئول الممثل: انه باحث عن الشهرة والبريق الاعلامي, ولأن الصحافة أو الإعلام مطية جيدة, ولأنها أيضا لا تأبه في كثير من الأحيان إلى فارسها نبيلا كان أم صعلوكا ولا تدرك سلامة سريرته من خبثها, بل تنطلق بكل ما أوتيت من قوة بمن يقدر على امتطاء صهوتها, ولهذا تجد هذا النموذج يتلاعب بمطيته يمينا ويسارا ويصنع ـ كما يقال ـ من الحبة قبة ويطنطن على كل شيء حتى ولو لم يكن يستحق الذكر. وتجده يهتم في تصريحاته بالأرقام من الناحية الكمية دون اعتبار لمدلولات تلك الأرقام وقيمتها الاجتماعية أو الاقتصادية, بل ان تصريحاته وآراءه في جميع الأحوال لا تثبت أمام المعطيات العلمية والمنطقية للموضوع, والثمن في النهاية ان يبقى صاحبنا حاضرا على ساحة العمل الاداري في المجتمع, أما النابهون من قراء الصحيفة فلا ينالهم إلا الغثيان, وأما تطوير العمل الاداري فيمكث أبعد من الثرى عن الثريا. المسئول المتشبث: انه لا يرى في المنصب المرموق الذي يشغله أكثر من مستوى اجتماعي, ولهذا فإنه يتشبث به تشبث الغريق بلوح خشبي ويفعل الأفاعيل لكيلا تفلت هذه الوظيفة من بين أصابعه, وأبسط تلك الأفاعيل (النفاقية التي يقارفها ما اصطلح أمثاله على تسميتها بالالتزامات الاجتماعية) ألا يدع لرؤسائه مناسبة إلا وتطفل على مجالسهم وموائدهم اعترافا بالفضل وابداء لواجب الولاء والطاعة, وربما اسعفته سوء تقديرات رؤسائه أو (الواوات) : (السوبر واوات بالطبع) بالارتقاء إلى وظيفة أعلى منها. ولو تأمل متأمل جهود هذا المسئول لألفاها لا تصب في حقول الانتاج أو الابداع أو التطوير بل ربما اكتشف انها غالبا ما تكون في غير مصلحة المؤسسة, وان الأمر وما فيه ان يظل المذكور أعلاه منسيا وهو يتدثر في كنف الكرسي الدافئ. * * * هذه النماذج او الظواهر تعتبر اليوم جزءا اساسيا من تركيبة الخدمة العامة ولها تأثيرها السلبي من وجهة النظر العلمية والمنطقية وتنمو من يوم لاخر كالفطريات, ولأنها بكل المقاييس عناصر اعاقة في سبيل النهوض بمستوى تلك الخدمة. وحتى لا تبقى المؤسسات العامة متخلفة عن المؤسسات الخاصة في التنظيم والفاعلية الانتاجية وتطوير المجتمع, فان اجراء مسح ميداني لتشخيص حال المؤسسات العامة, وفرز القدرات القيادية الكفوأة وانتقاء البدائل او تأهيلها اذا اقتضى الامر في برنامج علمي مدروس واسناد المسئوليات الادارية اليها في ظل نظام تقويمي شديد الصرامة يصبح مطلبا من متطلبات التأهيل لدخول عصر المعلومات الذي اعلن عن بلوغه سن الرشد. * كاتب من الامارات