كانت نيوهامبشاير على مستوى الشهرة التي اقترنت باسمها من حيث قدرتها على اثارة قلق المؤسسة السياسية الامريكية, فمنذ عام 1952 عندما اكتسبت نيوهامبشاير وضعيتها باعتبارها الولاية التي تجري انتخاباتها الاولية في عملية اختيار المرشح الرئاسي غالبا ما اوقع الناخبون فيها الهزيمة بمن يتوقع فوزهم, بينما اطلقوا من ينظر اليهم على انهم في الصفوف الخلفية الى سماء الفوز. والسباق على تحديد المرشح الرئاسي الجمهوري لهذا العام لم يكن استثناء لهذه القاعدة, فقد ادى فوز سناتور اريزونا جون مكين بنسبة 49 ـ 30 على حاكم ولاية تكساس جورج بوش الى احداث تغيير دراماتيكي في السباق الجمهوري الخاص بتحديد مرشح الحزب لخوض انتخابات العام الحالي. وعلى امتداد عام مضى, كانت المؤسسة الجمهورية قد قامت بتلميع ترشيح بوش, فقد عقد الحزب العزم على العودة الى البيت الابيض, وبالتالي سعى الى مرشح يسود الشعور بانه سيقود الجمهوريين الى فوز مؤكد. وكان الدعم الذي تلقاه بوش فوريا وكاسحا حيث جمع مبالغ طائلة من التبرعات لحملته وضمن الحصول على تأييد معظم الاسماء البارزة في قيادة الحزب. وتحولت حملة بوش الى عملية ديناميكية ووصف بأنه (المرشح الحتمي) وكذلك بانه (المرشح الجدير بالانتخاب) .ومع مواجهة المرشحين الميدانيين الجمهوريين لفوز بوش (الحتمي) , وجد الكثيرون انفسهم عاجزين عن خوض غمار المنافسة وهكذا وفي مرحلة مبكرة تقلص عدد الموجودين في الميدان من 12 مرشحا الى ستة مرشحين, وعند هذا المنعطف, انطلقت الحملة مسرعة وبلا هوادة, وعلى الرغم من اموال بوش ومؤيديه, الا انه اجبر على القيام بحملة نشطة وعلى لقاء متحدييه الباقين في مناقشات متوالية. وبدأت نقاط ضعف بوش في الظهور, فانتقد البعض عدم تملكه الكامل لناصية المعرفة بالقضايا وسخر آخرون من تصريحاته التي لايواكبها التوفيق غالبا, غير ان الهجوم الاكثر اثارة للقلق تمثل في الهجوم على (المؤسسة) لمحاولتها تكريس بوش مرشحا للحزب الجمهوري دون اختبار حقيقي لقدراته السياسية. وفي انتخابات ايوا الاولية, حقق بوش فوزا واضحا, ولكنه لم يكن فوزا حاسما على اقرب منافسيه وهو ستيف فوربس, واختار منافس بوش الوحيد الذي يتمتع بثقل يعتد به في السباق وهو جون مكين تجاهل انتخابات ايوا الاولية وتركيز جهود حملته على نيوهامبشاير. واتاحت نيوهامبشاير بشهرتها القائمة على العداء لمرشحي المؤسسة ساحة مثالية لاطلاق حملته, وقد سعى مكين شأن بوش إلى ترسيخ ترشيحه في وسط الحزب الجمهوري دون ان يقع اسيرا لليمين الديني, غير انه خلافا لبوش, طرح نفسه كخصم للمؤسسة, وكان تحديه لقواعد اصلاح تمويل الحملات الانتخابية, واقتراحاته الخاصة بتقليل الضرائب بالنسبة للطبقة المتوسطة مع ترك شرائح الضرائب الاعلى كما هي قد اثار غضب المؤسسة. وبينما لعبت القضايا الكبرى دورا في ترشيح مكين, الا ان العوامل الاكثر اهمية كانت تلك المتعلقة بسيرة حياته وبشخصيته, فقد كان من ابطال حرب فيتنام الذين جرحوا فيها, وتحول إلى اسطورة باعتباره الاسير الذي امضى اطول فترة في معتقلات الفيتناميين وذلك حتى قبل ان يرشح نفسه, وإلى جوار هذه القصة الشخصية القوية, كان هناك تصديه للمرشحين الاخرين وشخصيته الطليقة التي جعلته يكسب تعاطف حشود من الصحافيين, واتاحت له قبولا جماهيريا هائلا ومجانيا. وقد رصدت قوة ترشيح مكين للمرة الاولى من قبل خبير استطلاعات الرأي جون زغبي قبل عشرة شهور مضت, فبينما كان بوش يمضي محلقا في حملته, اجرى زغبي ما يعرف باسم استطلاع عشوائي, وقد وجد انه عندما يقدم للناخبين الذين كانوا في تلك المرحلة لا يعرفون جون مكين بعض المعلومات عن سيرة حياته, فان حماسهم لترشيحه يزيد بصورة هائلة, ووصل زغبي إلى استنتاج انه بينما يدعم المرشحون في تلك المرحلة اسماء بوش ودول وكيمب وكويل انه عندما يعرفون جون مكين, فانه سيكتسح الميدان وذلك من واقع الخبرة المكتسبة من الحملات الانتخابية السابقة, وهذا هو ما حدث فيما يبدو. وبعد ان فاز بوش في ايوا, ركز انظاره على نيوهامبشاير في محاولة لايقاع الهزيمة بمكين وترشيحه, وكان القائمون على حملته يعرفون ان ذلك امر صعب, حيث ان مكين قد اظهر قوته في تلك الولاية, واستثمر القائمون على حملة بوش وجورج بوش نفسه الكثير من الوقت والموارد لتحقيق الفوز في نيوهامبشاير. وهكذا, فان القصة لا تدور فقط حول ان مكين قد فاز, وانما هي تدور بالاساس حول تحقيقه لفوز كاسح, وقد اعطى هذا الفوز لحملته على المستوى القومي دفعة كبرى, وقد كانت هناك تغطية صحفية ايجابية, ويظهر استطلاع اجرته مؤسسة زغبي الدولية بعد يومين من فوز هامبشاير ان مكين يتقدم على بوش في ساوث كارولاينا التي ستشهد المنافسة المقبلة في تحديد المرشح الرئاسي الجمهوري, وقبل يومين من انتخابات نيوهامبشاير, كان بوش يتقدم مكين في ساوث كارولاينا بما يزيد على 20%. وفي الوقت نفسه, فان تأثير نيوهامبشاير قد اعطى مكين دفعة للامام انعكست في سبقه بنسبة 3% في ميشيجان, وهي ولاية ساد الاعتقاد بأنه ليس امام مكين فرصة للفوز فيها. كما ساعد فوز نيوهامبشاير مكين ايضا على جمع تبرعات لخوض غمار المنافسة, فقد ذكر القائمون على حملة مكين في الساعات الثماني والاربعين التي اعقبت نيوهامبشاير انهم جمعوا بشكل عفوي ما يزيد على 740 الف دولار في شكل تبرعات جاءت عبر الانترنت. وتشير الاستطلاعات على المستوى القومي الان إلى ان وضع مكين افضل الان كمنافس لمرشح ديمقراطي من وضع بوش في نوفمبر المقبل, وتلك انباء مقلقة للغاية بالنسبة للقائمين على حملة بوش, فالعنصر الذي حافظ على استمرارية جهود بوش حتى الان كان حتمية هذه الجهود وكونه مرشحا قابلا للانتخاب, اما الان, فقد تحدى مكين هذين الافتراضين معا, وترك المؤسسة الجمهورية مترنحة. والان, دعنا نبادر إلى القاء نظرة على وضع الديمقراطيين, فبينما فاز آل جور مرشح المؤسسة الديمقراطية في كل من انتخابات ايوا وهامبشاير, فانه يبدو ان هناك متاعب في الطريق بالنسبة لنائب الرئيس الامريكي, وقد ساد الاعتقاد في وقت من الاوقات انه اذا فاز جور في كل من الولايتين فان ترشيح برادلي سينتهي. وقد فاز جور بالفعل ولكن الكيفية التي فاز بها هي التي تسبب بعض القلق. بعد ايام قلائل من انتخابات ايوا, بدا جور متقدما بنسبة 12% في نيوهامبشاير, واعتقد البعض ان ايام برادلي قد اصبحت معدودة, وعند ذلك المنعطف, بدأ برادلي الذي ظل حتى ذلك الوقت بعيدا عن الاشتباكات طوال معظم وقت الحملة في رد الضربات بمثلها وفي حقيقة الامر, فانه عندما هاجم جور برادلي في وقت مبكر من حملته بدا ان برادلي قد فقد توازنه والتزم موقف الدفاع. اما الان, فقد حان اوان برادلي واصبح يتعين عليه ان يوجه ضرباته وفي حالتين, كانت نتيجة ضرباته دامية. وعندما ذكر برادلي الناخبين بتورط كلينتون جور في المخالفات المالية المتعلقة بالحملة الانتخابية في عام 1998 كان يوجه ضرباته الى نقطة ضعف محددة في حملة نائب الرئيس الانتخابية, ولاشك في ان هذه المسألة ستتحول الى قضية كبرى في عام 2000, حيث قرر برادلي تحدي حور فيما يتعلق بهذا الموضوع الان من دون انتظار قيام الجمهوريين باثارة هذا الموضوع الحرج في الخريف المقبل. ولكن برادلي حقق اعظم نجاح في الحاق الضرر بحملة نائب الرئيس وهو يواجهه في قضية اخرى, ففي احدى المناظرات, تحدى برادلي جور مشيرا الى انه بينما غير نائب الرئيس موقفه فيما يتعلق بالاجهاض, فانه اي برادلي كان على الدوام مؤيدا لحق المرأة في الاجهاض, ومن الحقائق المعروفة ان جور قد غير وجهة نظره حيال هذه المسألة خلال الثمانينيات. وهنا ارتكب جور خطأ لاسبيل الى تفسيره, فقد كان بإمكانه ان يقر بأنه قد تبنى بالفعل موقفا مختلفا, ولكنه بعد التأمل والمناقشة يؤيد الان حق المرأة في الاجهاض ولكنه نفى نفيا قاطعا ان يكون قد تبنى في السابق, وجهة نظر مناقضة لتلك التي يتبناها الان. وبطرح هذه النقطة, لم تعد القضية قضية اجهاض وانما قضية ميل جور الى تضخيم سجله والى التهافت عندما يقف في موقف تحتدم فيه الصراعات, ولهذا قال برادلي بحدة: اذا لم تكن صادقا في حملة انتخابية, فكيف يمكن للناس ان يثقوا بأنك ستكون صادقا عندما تغدو رئيسا؟. ويعتقد الكثيرون ان هذا الجدال كان في احد جوانبه السر في ان فوز جور في نيوهامبشاير كان اقل مما كان حريا به ان يكون وقد كان يتصدر السباق بنسبة 12% ولكن هذا التقدم انكمش الى هامش لايتجاوز 5% الامر الذي منح جور فوزا محدودا لايتجاوز نسبة 52 ـ 47%. لقد فاز جور ولكن مسألتي صدقه وتمويل الحملة ستواصلان التشويش على حملته الانتخابية ولكن ليس من المؤكد ما اذا كانت هاتان المسألتان ستعرقلان فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي له لخوض انتخابات الرئاسة, لكن ما نجح برادلي في القيام به هو اجبار قيادة الحزب الديمقراطي على التساؤل عما اذا كان مرشح مثقل بهذه المشكلات يمكن ان يوقع الهزيمة بالمرشح الجمهوري في نوفمبر المقبل. وفي الاشهر الاولى من تحدي برادلي لاختيار جور الحتمي أقام صرح حملته الانتخابية على مقدمة مفادها انه هو وحده الذي يمكنه الفوز في نوفمبر المقبل, ومع اظهار جورج بوش لنقاط ضعف على امتداد مسار الحملة, فان فرص جور في مواجهة بوش ستبدو افضل كثيرا. وكنتيجة لذلك, فان حملة برادلي قد بدا انها تفقد مبرر وجودها, ومع اكتساح مكين وانطلاقه قدما عقب نيوهامبشاير ومع خروج جور الجريح بفوز محدود في نيوهامبشاير, فان قضية (القابلية للانتخاب) تطفو للسطح مجددا. ولايزال الوقت مبكرا في اطار حملة عام 2000 الانتخابية وستكون هناك بلا شك انعطافات والتواءات عديدة في المسار قبل ان تختار الاحزاب مرشحيها, غير ان ماهو واضح يتمثل في انه ليس هناك مرشح جمهوري او ديمقراطي حتمي. وقد تلقت مؤسستا الحزبين الرسالة في نيوهامبشاير..