اليهود, أشد الشعوب عنصرية على الاطلاق في التاريخ البشري, آخر من يحق لهم انتقاد النازية الهتلرية في وجهها العنصري. بالتالي فإن حملتهم الضارية المتعاظمة ضد الزعيم السياسي النمساوي يورج هايدر ودمغه بالعنصرية تفتقر الى أي حد أدنى من المصداقية . ان النازية والصهيونية تختلفان من حيث ظروف النشأة التاريخية والهدف, لكنهما يلتقيان كصنوين من حيث المضمون العنصري. ومع ذلك فأنهما خصمان لدودان من حيث ان كلا منهما يستهدف الآخر. فما وجه هذا التناقض؟ وهل العالم على وشك أن يشهد جولة تاريخية جديدة من الصراع المكشوف بين النازية والصهيونية؟ لنبدأ بالتعريف الأولى. من حيث الشكل فإن الاسمين ـ النازية والصهيونية ـ رمزيان.. فلا يفيد أي منهما في التعريف الجوهري. فكلمة (نازي) هي مجموعة حروف لاتينية تمثل اختصارا باللغة الالمانية لعبارة (حزب العمال الاشتراكي الوطني) ... وهو حزب أدولف هتلر الذي حمله إلى الحكم في المانيا عام 1933 عبر معركة انتخابية تعددية افرزت ائتلافا سلطويا كان حزب هتلر أقوى عناصره (تماما كما جرى الآن مع هايدر و(حزب الحرية) في النمسا بائتلافه مع (حزب الشعب) . وإذن فإن كلمة (نازي) أو (نازية) لاتفيدنا كثيرا من حيث معرفة الهوية الجوهرية لفرد أو تنظيم إلا بقدر ما تفيدنا كلمة (بعثي) أو (ناصري) مثلاً. فالنسبة هنا هي إلى حزب.. لا إلى نظرية أو توجه سياسي فلسفي معين. نفس الشيء ينطبق على كلمة (صهيونية) فهي مشتقة من اسم جبل.. (جبل صهيون) في القدس الذي بني عليه ـ وفقاً للروايات الدينية اليهودية ـ قصر (الملك داؤود) وفيما بعد (معبد داؤود) . واذا تجاوزنا الشكل الى الجوهر فاننا نجد أن المحور الاساسي الانطلاقي لكل من النازية والصهيونية هو شعب ووطن في اطار رؤية للتفوق العنصري. فالشعب بالنسبة الى النازية هو الشعب الالماني بما في ذلك الاقليات الالمانية في أوروبا عامة.. والوطن هو ألمانيا بما في ذلك الأراضي الواقعة في بلدان مجاورة ويقيم عليها ألمانيون. اما بالنسبة للصهيونية فإن الشعب هو الشعب اليهودي.. والوطن هو فلسطين. وفي كتابه (كفاحي) يطنب أدولف هتلر في نظرية (تفوق الجنس الآري) . وهي نظرية غير علمية تستند إلى عقيدة ذاتية بأن التفوق هبة طبيعية وليس اكتسابا. فالشعوب الآريه ذات العيون الخضر والشعور الشقراء والبشرة شديدة البياض متميزة على غيرها من الشعوب بالتقدم الحضاري كأمر قضته وقررته الطبيعة. أما فلاسفة الصهيونية فانهم يطرحون تنظيراً أخطر لأنه يستند إلى عقيدة دينية. فالشعب اليهودي هو (شعب الله المختار) .. أي القوم الذين يفضلهم الله على غيرهم من الأقوام في كل زمان إلى أن تنطوي الدنيا. وعلى هذا الاساس فإن كل من هو غير يهودي من أفراد وجماعات وشعوب.. كلهم منبوذون إلهياً بحيث يجوز خداعهم وممارسة الكذب عليهم دون حرج.. بل وقتلهم دون جريرة. أين التناقض بين هاتين الرؤيتين؟ لا تناقض في المبدأ بالطبع.. التناقض يأتي في التحرك والتطبيق.. فكل من الحركتين يجب أن تناقض الحركة الأخرى انطلاقا من أن كلا منهما مندفعة بدافع عقيدة التفوق على الآخرين. على هذا الأساس كان على رأس اجندة أدولف هتلر للحكم تصفية الوجود اليهودي في أوروبا.. وعلى هذا الأساس أيضا اغتصب اليهود أرض فلسطين ليس لاتخاذها وطناً قومياً فحسب.. بل أيضا جعلها قاعدة للانطلاق لحكم العالم بشعوبه كلها. الآن تستيقظ النازية مجددا في النمسا بين شعبها ذي الأصل الالماني الذي كان هتلر أحد أبنائه. والحملة الضارية التي انطلقت من اسرائيل ضد هايدر وترددت اصداؤها فوريا في أوروبا والولايات المتحدة أنما تستوحي التاريخ القريب بمشاعر خوف دفين من ان النازية تستشرف عصراً جديداً.