يحكي احد الكتاب عن تجربة ذاتية عاشها في طفولته, واثرت في حياته بأكملها, يقول انه عندما كان طفلا لم يكف والده يوما عن القاء هذا السؤال عليه وعلى اخوته الواحد تلو الآخر: ما الجديد الذي تعلمته اليوم؟ اليوم وبعد عشرات السنين فانه ما من ليلة أوى فيها هذا الكاتب إلى فراشه مهما كان مجهدا مرهقا الا وسأل نفسه ذلك السؤال: ما الجديد الذي تعلمته اليوم؟ فاذا لم يجد اجابة مقنعة لسؤاله مد يده ليلتقط اي كتاب على مقربة منه يقلب صفحاته بسرعة لاستخراج شىء منه مهما كان بسيطا. وليس شرطا ان نقرأ كل يوم كتابا جديدا لكي نتعلم شيئا ذا قيمة, لان مصادر المعرفة قفزت فوق الكتاب وتجاوزته كثيرا, فلم يعد الكتاب سيد العملية المعرفية كما كان سابقا وان كان مازال اهم اعمدتها. نحن اليوم نتعلم من اسفارنا وجيراننا, واصدقائنا, ومن وسائل الاعلام, نتعلم من اعمالنا, وحتى من اطفالنا ومن جلسات الثرثرة الفارغة ومشاهدات الحياة العابرة, يمكننا ان نتعلم من كل هذا ومن غيره, فقط اذا اردنا ان نتعلم, وعرفنا لماذا وكيف نوظف هذه المعرفة للارتقاء بذواتنا وانسانيتنا. وحينما تجد نفسك في جلسات الثرثرة في صالونات البيوت واماكن العمل وغيرها, فاصغ اكثر مما تتكلم, حينها ستجد ان هناك اشخاصا يتحدثون اكثر مما يجب, ودونما هدف, هؤلاء لا يتعلمون شيئا ابدا! تعلمنا من اسفارنا واصدقائنا وتجاربنا ان الانسان لا يمكن ان يكون سوى نفسه, وانه اذا صادر شخصيته وقناعاته وتلقائيته لأجل الآخرين, فانه يتحول مع الايام شخصا آخر بلا روح ولا هوية. ولقد تحدث استاذ في احدى الجامعات الامريكية عن تجربة حياتية طريفة مر بها, وتعلم منها يقول: انني استمتع كثيرا بموسم سقوط اوراق الاشجار في الخريف, واسعد كثيرا بألوانها المتنوعة, وبصوتها يتكسر تحت اقدامي, لذلك فقد كنت أحرص على جمع كميات منها, ونثرها في الطريق الضيق الذي اعبره لمنزلي, وذات يوم وانا مع طلابي طرق بابي مجموعة من الجيران جاءوا يشتكون من منظر تلك (النفايات) المتجمعة دائما في الممر المؤدي إلى بيتي وسألوني اذا كان باستطاعتي تنظيف الممر, وعرض بعضهم ان يساعدني, فأبديت لهم استعدادي للاذعان لمطلبهم. يقول الاستاذ, لقد ابدى طلابي امتعاضا لاستسلامي لجيراني في امر اعتبروه حرية شخصية, ولكنني جمعت الاوراق الجافة, ونثرتها فوق سطح المنزل, وصرت اتمشى فوقها, فلم افقد احساس الغبطة بالمشي فوق الاوراق, ولم اترك للاخرين فرصة الدخول إلى منطقة خاصة في داخلي تتعلق بحريتي في ممارسة خصوصيات احبها وتعني لي الكثير. لقد تعلم ذلك الاستاذ ان الخضوع للثقافة العامة وتقاليد المجتمع, لا يتعارض مع تحقيق الانسان لرغباته وخصوصياته الجميلة, وكثيرون يعلمون ذلك, واظنه علما ضروريا.