استطاع الغرب بعد مرحلة من الاعداد, اتسمت باتاحة الفرص للمواهب الابداعية للظهور وزجها في ممارسات خلاقة, وبالاخذ بمبدأ العدالة في تحقيق فرص النهوض والتميز, وتوفير الظروف الموضوعية لجني ثمار التقدم العلمي والتطور التكنولوجي المتزايد, استطاع الغرب بهذا كله ان يقطع اشواطا طويلة على طريق رسم استراتيجية علمية دقيقة تكفلت بتحقيق تطور علمي وبناء اسس قاعدة اقتصادية متينة. وبذلك انتقل النمط الحضاري الغربي من النمط الاستهلاكي والبناء الاقتصادي المتخلف الى نمط اقتصادي رأسمالي, يتربع فوق قاعدة علمية متطورة خلاقة, ويسعى الى التطور صوب النمط الاحتكاري وسوق (الكارتيلات) الامبريالي الذي اخضع جل دول بلدان العالم الآفرو اسيوي وبعض بلدان امريكا اللاتينية الى هيمنته الاقتصادية, ولاسيما دول ما سمي بالعالم الثالث. مرحلة الاستقلال الوطني في الوقت الذي كان ينبغي فيه على دول العالم العربي التي تحررت من نير التسلط الاستعماري وحصلت على استقلالها الوطني, ان تعمل على استكمال مهمات التحرر الوطني من اجل بناء اقتصاد انتاجي يسعى الى تأسيس قاعدة صناعية متينة, واستقلال زراعي امثل, ومغادرة نمط العلاقات الاستهلاكية, وجدنا معظم هذه الدول تفشل في ارساء دعائم اقتصاد وطني صلب مستقل, يبلور ملامح مشروع نهضة صناعية او زراعية. بل وجدنا ـ على العكس من ذلك ـ ظهور ملامح تشرذم اقتصادي قطري, وحركة تنموية عشوائية, وضعف في التخطيط العلمي, مع اعتماد متزايد على اقتصاد المعسكر الغربي الآخذ في التقدم والازدهار والقوة. وليس غريبا بعد هذا ان يستسلم الاقتصاد القطري العربي لاقتصاد السوق العالمي (الغربي) ذي القاعدة الاقتصادية الجبارة ونمطه الامبريالي المهيمن, ليخترقه اختراقا صارخا يفقد معه اية قدرة على المطاولة او المنافسة او حتى على النمو والاستمرار وفق وتائره السابقة. ومع تزايد شقة الفارق في التطور بين دول الشمال والجنوب, واتساع هوة التطور الاقتصادي والعلمي بينهما يوما بعد يوم, وجدنا النمط الاقتصادي الغربي يزداد نموا وتطورا, في وقت استمر فيه الاقتصاد بالعالم الثالث في التقهقر والانهيار الى الحد الذي اصبح فيه العالم الغربي يملي شروطه على دولنا, ويسعى الى الضغط عليها, واقتراح سبل التخطيط وانماط العلاقات الاقتصادية المثلى لها, وحثها على الانخراط في مخططاته ومنظماته التي تضمن تدفق رؤوس الاموال اليه وخيرات دول عالم الجنوب في مقابل ازدياد هذه الدول فقرا وتمزقا وتخلفا. التقدم العلمي... عربيا العرب جزء من العالم الثالث بكل همومه ولعله ليس من المبالغة القول انه قد مضى على العرب ردح من الزمن لم يتح فيه لميدان العلم ان يأخذ فرصته الحقيقية التي تتيح له تأسيس قاعدة علمية تكون انطلاقة لاية نهضة اقتصادية جادة. فليس ثمة تطور اقتصادي يمكن ان يتحقق من دون قاعدة علمية مزدهرة, ترسم له آفاقه وتخطط له استراتيجيته, على مختلف اصعدته, وهو ما يفسر اسباب الفشل ومظاهر الفوضى والتخبط التي تعيشها بلداننا. ولعل من المفارقات المؤسية ان نجد انفسنا ـ نحن العرب ـ قادة ومسئولين, وقد اشتدت بنا الحماسة واخذ منا الفرح كل مأخذ, حتى وصل الى حد النشوة والزهو, ونحن نتلقى نبأ صعود نجم عالم عربي في سماء الغرب وتألقه ونجاحه او فوزه وتكريمه, من دون ان نحس للحظة بأدنى مشاعر الحرج والابتئاس لضياع تلك الثروات القومية المتمثلة في تلك العقول العلمية المهاجرة, او نسأل انفسنا عن اسباب هجرتها وتسربها من بين ايدينا لنتخذ من تلك الوقائع, لا مناسبة للزهو الساذج والخطب المجانية, بل منطلق لبدء مرحلة من التفكير الجاد في اعادة التخطيط للنهضة الوطنية الشاملة وتوفير المهاد اللازم لها والاجواء الملائمة والشروط الموضوعية الفضلى لعملها وانتاجها, ولتعميق تقاليد عمل جمعي ضمن اكثر الظروف ملاءمة وفاعلية. واذا كان اهتمام الدول, قادة ومسئولين, بالعلماء واحتضانهم, وتوفير المناخ الملائم لعملهم وتذليل مختلف الوان الصعاب والمعوقات امرا مفروغا منه لتحقيق النهضة العلمية الشاملة فان هذه المستلزمات لا تمثل الا الحد الادنى في اطار ما هو مأمول من واجبات على الدولة يمكن ان تضطلع بها. ذلك ان رعاية العلماء واحتضانهم ينبغي ان تكون بدايته المراحل الاولى من مسيرة هؤلاء العلماء, بدءا بمظاهر تفتحهم المبكر وتعبيرهم عن مواهبهم في مدارج الصبا. خطوة صائبة من هنا يأتي قرار سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, القاضي بتكريم الطلبة المتفوقين والاهتمام بهم ورعايتهم خطوة بالغة الاهمية والدلالة في التعبير عن هذا الحرص على نبوغ العلماء وتكون المواهب الابداعية الخلاقة منذ المراحل الابتدائية الاولى, مرورا بالمراحل اللاحقة لها, من اعدادية وجامعية وتأهيل خاص (عال) مع ضرورة العمل على انشاء لجان متخصصة, تعمل على وضع تلك القرارات موضع الترجمة إلى برامج عمل تفصيلية, من متابعة لتلك المواهب واثبات لمؤشرات ميلها ومستويات ذكائها ومظاهر نبوغها منذ مراحل رياض الاطفال والمرحلة الابتدائية, ووفق مؤشرات تثبت في سجلات خاصة تتابع الطالب وتستمر معه, كل حسب قدراته ومواهبه. ان خطوة كهذه من شأنها ان تضع ايدينا على علماء المستقبل ـ أولادنا ـ الاولى بالرعاية والاحتضان, وتوفير المناخ الملائم لهم للانتاج والابداع, وهي خطوة ستجعلهم لا يفكرون في هجر اوطانهم وهم يفتحون اعينهم على مواكبة لخطواتهم, ورعاية لاحوالهم, وحرص على تكريمهم, بما يليق بموهبة كل منهم. شمولية المعالجة لا ريب في ان قرار سمو ولي عهد امارة دبي تكريم المتميزين من رموز العملية التعليمية, ممن يسهمون اسهاما جديا وواضحا في دفع المسيرة التعليمية والارتقاء بها وفق الصيغ العلمية المتطورة والتنظيمية اللائقة, لا ريب في ان صدور قرار كهذا انما جاء تلبية ملحة لرعاية ابنائنا, علماء المستقبل, وهو خطوة ذكية لا غنى عنها, اذ هي تتمم فاعلية القرار الاول وتدعم آلياته وتسعى إلى ضمان جني ثمراته. ان الاهتمام برموز العملية التعليمية ـ معلمين ومديرين ـ انما يفصح, في وجه من وجوهه, عن تقدير حقيقي لقيمة العلم وادراك لعضوية المفاصل في المسيرة التعليمية. ذلك ان نبوغ المواهب وتفوقها وارتقاء جناحها يظل على الدوام رهنا بوجود الحلقة القادرة على توفير الاجواء الملائمة لتنفس هذه المواهب الابداعية وتطورها, والاخذ بيدها وتشجيعها وتذليل المصاعب والمشكلات التي تعترض سبيلها, اقتصادية كانت أو اجتماعية أو (سايكولوجية). وليس ثمة من يقوم بهذا الدور غير رموز القيادة التعليمية من معلمين ومديرين, الجناح الثاني في حركة ارتقاء طائر العلم في عالم غدنا المنشود. ان للقرارات التعليمية الخاصة الصادرة في امارة دبي, والساعية إلى احتضان الطلبة وتكريمهم وتبريز المتميزين من رجال العملية التعليمية دلالات بالغة العمق والثراء على طريق مسيرتنا التعليمية وآفاق تقدمنا العلمي, ومن شأنها ان تعيد خطا السبيل العلمي المضطربة المتلكئة وموازينه المنكفئة الى جادة الاستقامة والصواب المبشرة بالخير, وصولا الى النهضة القومية الشاملة, وهي خطوة رائدة تستحق الاشادة والدعم, مثلما تستحق منا, مربين وباحثين, التأمل والدرس والتقويم.