لم يكن غريبا أن تتجمد المفاوضات على المسارين السوري واللبناني وأن تحل محلهما لغة النار والمواجهة, وحتى على المسار الفلسطيني الذي أظهرت فيه السلطة الفلسطينية درجة مستغربة من المرونة والتنازلات كان من المنطقي ان تصل المفاوضات إلى حائط مسدود وأن يحذر (نبيل شعث) من احتمالات (حدوث انفجار) . فالدولة الصهيونية لم تر في يوم من الايام ان المفاوضات وسيلة للوصول إلى سلام عادل وشامل يقوم على توازن المصالح واحترام حقوق ومصائر الآخرين من العرب, وانما ارادت ان تحقق بالمفاوضات ما لم تنجزه بالحرب من حيث ابتلاع الحد الاقصى الممكن من الاراضي والمقدسات العربية المحتلة, وفرض هيمنتها على الشعب الفلسطيني وجميع الدول العربية. واذا كان السوريون واللبنانيون قد ادركوا ذلك مبكرين وعملوا ما استطاعوا لتدعيم مواقفهم التفاوضية سواء من حيث التمسك بأعلى درجات التنسيق أو العض على الحقوق أو احتضان المقاومة, فان السلطة الفلسطينية مضت بعيدا في التعبير عن حسن النوايا, وفي تقديم التنازلات وطمأنة اسرائيل بكل الاساليب, بما في ذلك التحالف لضرب واجهاض اي محاولة للمقاومة, وفي الحالتين لم تنج المفاوضات من المأزق. فعلى المسار السوري واللبناني تسعى اسرائيل إلى العبث بقاعدة المفاوضات (الأرض مقابل السلام) بالاصرار على سلب اجزاء من الارض وخيراتها, والعمل على الغاء المقاومة ليسهل فرض الارادة الاسرائيلية على المتفاوضين. اما على المسار الفلسطيني الذي نجحت مبكرة في دفعه نحو تجاوز قاعدة المفاوضات التي اتفق عليها في مدريد من خلال اتفاق اوسلو, فانها تسعى باستمرار إلى توسيع هذه الثغرة آملة من وراء ذلك إلى اهدار حقوق اللاجئين, وسلب الارض, وتحويل السلطة الفلسطينية إلى صورة مكررة من الميليشيات التابعة في جنوب لبنان كما عبر عن ذلك مرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وعليه فان انقاذ المفاوضات لن يتم الا بتغيير جذري في الفكر الصهيوني تجاه العرب وأرضهم ومصالحهم, أو قهر ارادة العرب وفرض اسرائيل الكبرى المهيمنة على كل منطقة (الشرق الاوسط) , ونظراً لصعوبة الوصول إلى اي من الحالتين فليس من المتوقع ان ينتهي الصراع إلى (نهايات سعيدة) حتى لو وصل يوما ما إلى اتفاقيات مؤقتة تم توقيعها في البيت الابيض!!