ما يمكن استخلاصه بصورة عامة في أحدث بيان أعده جورج تنيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية للكونجرس الامريكي هو أن اسامة بن لادن صار دولة عظمى! فهل هي مبالغة؟ واذا كانت مبالغة فهل هي مقصودة؟ واذا كانت مقصودة فما هو الهدف أو الدافع؟ (خطر) بن لادن يستأثر بالبيان من أوله لآخره. وحتى الفقرات التي لن يخطر ببالك أنها ذات علاقة بابن لادن أو (الارهاب) باسم الاسلام.. عندما يتحدث البيان مثلا عن امتلاك كوريا الشمالية صواريخ عابرة للقارات ذاتية الدفع.. فان البيان يربط بينها وبين الشبكات الاسلامية الراديكالية بصورة غير مباشرة.. فيقال لك إن كوريا الشمالية تصدر صواريخ إلى دول اسلامية (راعية للارهاب) .. وبالتالي يمكن أن تنتقل ملكية مثل هذه الصواريخ الى قادة الشبكات الاسلامية العالمية. (بن لادن عازم على توجيه ضربات جديدة لأمريكا ويعمل على توسيع اتصالاته مع الجماعات المناهضة للولايات المتحدة) . هكذا يلقي تنيت بهذا التحذير الكبير امام الهيئة التشريعية العليا في الولايات المتحدة وكأن المتحدث عنه دولة عظمى ذات أجهزة امنية متقدمة وقوات مسلحة منظمة مزودة بأحدث التكنولوجيا. في مقره داخل كهف مجهول في مجاهل افغانستان الجبلية يدير بن لادن ـ كما يحاول أن يقنعنا مدير الاستخبارات الامريكية ـ حركة للارهاب المسلح تمتد جغرافيا على مساحة نصف العالم, تضم باكستان وفلسطين ولبنان وآسيا الوسطى وأوروبا الغربية.. والولايات المتحدة نفسها! ثم يضيف البيان آخر الاخبار عن (الدولة العظمى) التي يطلق عليها بن لادن: أنها تسعى الآن لامتلاك اسلحة بيولوجية وكيماوية ونووية! ونعود الى السؤال المطروح: هل ما يرويه المسئول الاستخباراتي الأول في الدولة العظمى الحقيقية والقوة العسكرية والاقتصادية الاولى في هذا العصر وهذا العالم حقيقة أم نسج خيال؟ لنتفق أولا أن هناك مبالغة.. وأنها مقصودة.. واللجوء إلى المقابلة يتطلب حتميا اللجوء إلى نسيج الخيال. وهكذا يكون البيان المعلوماتي لمدير الاستخبارات الامريكية مزيجا من الحقيقة والخيال. وفي تقديري أن مقدار الخيال هو الجزء الأعظم. وعندما أقول ذلك فإنني استند إلى تاريخ طويل من الكذب المنظم والتلفيق اشتهرت به الوكالة الاستخباراتية الامريكية. وأقرب هذه الاكاذيب إلى الذاكرة تلك الروايات المحبوكة التي نسجها خبراء الوكالة عن أهوال من التفجيرات والاغتيالات الجماعية المؤقتة لتقع في ليلة نهاية الألفية الثانية داخل الولايات المتحدة وحول العالم. ودخلت الألفية الثالثة دون أن يقع شيء.. ودون حتى أن تتوفر أدلة على احتمال وقوع شيء. الآن تريد الوكالة الامريكية ان تثبت للشعب الامريكي عبر ممثليه في البرلمان ان بن لادن, باشرافه على (شبكات ارهابية) بحجم العالم أو نصفه على الأقل وامتلاكه صواريخ ذاتية الدفع وسعيه لامتلاك اسلحة كيماوية وبيولوجية.. بل وحتى نووية ليس أقل من دولة عظمى جديدة معادية للولايات المتحدة. فما القصد وراء المبالغة؟ ان الوكالة الامريكية في تقديري تناضل من أجل بقاء سطوتها كقوة داخلية تفرض سلطانها على أجهزة القرار الامريكي والمحافظة على النفوذ الرهيب الذي يتمتع به قادتها وكوادرها.. ذلك النفوذ الذي يمكنهم من ممارسة الابتزاز السياسي والمالي داخل الولايات المتحدة كأسلوب حياة. مع نهاية الحرب الباردة وزوال الخطر العالمي على الولايات المتحدة الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى منافسة, والفكر الاشتراكي الشيوعي كترياق فكري ضد الرأسمالية أدرك قادة الوكالة الاستخباراتية الامريكية كجهاز يقع ميدان نشاطه الأساسي خارج الحدود أن نفوذ الوكالة صار قابلا للتحجيم. وبدوافع غريزة حب البقاء قرر هؤلاء القادة فيما يبدو (ابتكار) خطر عالمي جديد بحجم الخطر السوفييتي. ويبدو أنهم وجدوا ضالتهم في (الاسلام السياسي العالمي) .. ولأنه ليس لهذا الاسلام السياسي العالمي دولة عظمى على أرض الواقع فأنه لم يكن هناك مناص فيما يبدو من ترفيع بن لادن الى مستوى (دولة عظمى) !