إذا تمكن الواحد منا في المستقبل القريب من ادارة مكتبه عن بعد واعطاء الاوامر لموظفيه واهل بيته معا عن طريق الانترنت, بما في ذلك تشغيل السيارة واقفالها وتنظيفها واطفاء انوار البيت أو اضاءتها وصنع القهوة لتكون جاهزة ساعة موعد الاجتماع مثلا وغير ذلك من مهام سوف تقوم بها العزيزة السيدة تكنولوجيا, فما الذي يمكن ان نصنع نحن الرجال مع وقت الفراغ الكبير الذي سوف تمنحنا اياه التكنولوجيا خارج النوم والكسل؟ لا اعرف تحديدا اكثر من الصياعة في الطرقات والمراكز التجارية أو ممارسة بعض الهوايات الرياضية أو السفر أو تمضية الوقت مع اصدقاء على المقاهي في الثرثرة والنميمة, ومع ذلك فالخوف هو ان تكون مثل هذه الهوايات والنشاطات من ضمن اهتمامات التكنولوجيا, فيأتي العالم الينا من دون حاجة إلى سفر أو نمارس النميمة عبر الانترنت وحتى الصياعة تصبح ممكنة من دون حاجة إلى مغادرة البيت. طبعا بعض هذه التكنولوجيا اصبح موجودا فعلا وبعضها في الطريق الينا كالسيارات التي تعمل اليوم باللمس وغدا من دون حاجة لقيادة فعلية بل بالاوامر الصوتية مثلا أو البرمجة, فتصبح الوسائل الذكية والاجهزة والمعدات التي تعمل بالبرمجة وبالاوامر من بعد هي عمليا التي تسير حياتنا وتقضي شئوننا وتقوم على رعايتنا, فينتهي زمن الموظفين والعمال والزوجات والشغالات والجرسونية وغيرهم, بعد ان يصبح كل هؤلاء ذكريات في كتب التاريخ أو مجسمات في متاحف الفولكلور الشعبي, ما عدا الزوجات طبعا, فالحاجة اليهن مستمرة. غير ان حاجتنا للزوجات لن تكون للطبخ ولا لتربية الاولاد, بل للقضاء على الوحدة ليس اكثر, لان المرأة نفسها تعدها التكنولوجيا ببطالة اكثر من الرجل, خاصة في البيت, حيث يتولى الكمبيوتر ادارة شئونه من طبخ وغسيل وتنظيف وكي, فيما يسمى بالبيوت الذكية, التي يمكن اعتبار المطابخ الذكية جزءا منها, تتحدث فيها الطناجر والصحون إلى بعضها وتتلقى الاوامر من الكمبيوتر وتجهز الوجبات عن بعد, فتحول المرأة ست البيت اليوم إلى سكراب غدا. هذا ما اعلن عنه مؤخرا معرض ادوات الطبخ الدولية في شيكاغو, الذي حفل بأجهزة وطناجر ذكية وكمبيوترات تدير شئون المطابخ من الالف إلى الياء, أي من البصل إلى الكراميل, فعرضت على سبيل المثال شركة شارب اليابانية, فرن ميكروويف يتصل تلقائيا بشبكة الانترنت فيحصل منها على وصفات للطبخ بعد تلقيه امرا بنوع الطعام الذي يريده صاحبه, فيقوم بطهي الوجبة المطلوبة بأحسن ما يكون من وصفات وبمستوى اي شيف دولي من الذين يعملون اليوم في كبريات الفنادق ويتقاضون رواتب فلكية لا يحلم بها وزراء في دول العالم الثالث. غير ان هناك ما هو اهم من الميكروويف الياباني الذي يهدد آلاف الطباخين المتخصصين, فهناك الطناجر الذكية التي تتحدث اليك عندما تنتهي من اعداد الوجبة لتشعرك بانتهائها وذلك عند وصولها إلى درجة النضج المطلوبة, ثم هناك المقالي التي تبرمج عند ساعة معينة فتعد ما تريد من طعام, وهناك شاشة الفرن التي تحتوي على قائمة بالاطباق, وما عليك سوى التأشير باللمس على الشاشة على الوجبة التي تريد حتى تكون هذه جاهزة في الوقت الذي اخترته, وهكذا, وصولا إلى عشرات من الاجهزة الذكية التي قيل انها تختصر زمن الطبخ الحالي إلى وقت قصير بكثير, وظهر بعضها فعلاً في مطابخ اليابان وتظهر عام 2002 في مطابخ امريكا. ماذا تعمل المرأة اذن وهل من حاجة إليها بعد السيدة تكنولوجيا التي يأمرها الرجل منا بالبرياني أو المكبوس فيكون جاهزا في لحظات من دون ادنى تذمر أو من أو شكوى؟ أما الحاجة إليها فلا نقاش حولها, أما ماذا تعمل, فهي تستطيع ان تختار بين جلسات شاي الضحى مجددا وبين تمارين الرياضة والرشاقة تقضي فيهما أوقاتها, واذا لم يعجبها ذلك فنقترح عليها صناعة التلي والبدل, فتزدهر على يديها مجددا الكاجوجة بوصفها تكنولوجيا وطنية مئة بالمئة, مقابل التكنولوجيا المستوردة.