نتيجة لاستئناف المسارين التفاوضيين الفلسطيني والسوري مع اسرائيل, بعد صعود حكومة ايهود باراك, وبفعل عودة واشنطن الى تنشيط دورها في عملية التسوية العربية الاسرائيلية, ظهرت في سياق هذه العملية مجموعة من الاطر او السقوف الزمنية, فهناك الالتزام الفلسطيني الاسرائيلي المفترض بالتوصل في 13 فبراير الحالي الى (اتفاق اطار) حول قضايا التفاوض النهائي على المسار الفلسطيني وهناك, الزعم الاسرائيلي بامكانية الانسحاب من الشريط اللبناني المحتل بنهاية يونيو المقبل ـ وهناك الحديث الامريكي عن اقرار التسوية الشاملة على كل المسارات بحلول سبتمبر المقبل, ويردد المفاوض الفلسطيني انه سيعلن دولته قبل نهاية العام الحالي. جاءت بعض هذه المواقيت بناء على اتفاقات محددة, فيما كان البعض الاخر مجرد توقعات افرزها التفاؤل المفرط وثمة ما ينتمي منها الى آليات المناورة التفاوضية, لكنها في كل الاحوال تمارس دورا ضاغطا او مساعدا بالنسبة لمجريات التفاوض ذاتها بمعنى ان السقوف الزمنية المذكورة, ومثلها مما يخرج عن ارادة المفاوضين واهمها موعد الانتخابات الرئاسية الامريكية (نوفمبر 2000), باتت جزءا من اوراق التفاوض, يستخدمها المفاوضون بشكل ضمني ويأخذها بعضهم او حتى جميعهم احيانا, بعين الاعتبار داخل قاعات التفاوض وخارجها, في محاولة لتجييرها لصالحه وتوظيفها لتحقيق اهدافها. والحق ان الزمن لم يكن يوما في صالح طرف بعينه عمدا ومع سبق الاصرار, لكنه يعمل في جانب من يتبصر اهميته ويقدرها بحسب الاحوال والمعطيات وتقدم معالجات المفاوضين للاطر الزمنية المطروحة عرضا نموذجيا لهذه النظرية القديمة المتجددة ولايستطيع المحلل ان يضع صورة يقينية للكيفية التي ينظر بها كل طرف من هؤلاء لتأثير هذه الاطر على مكانته التفاوضية ومصير قضيته, لكننا من باب التكهن القائم على قراءة اساليب التفاوض عبر نحو عقد كامل من السنين, نجتهد بالتوقعات التالية: * يتصور باراك انه اذا اقر عاجلا بمبدأ الانسحاب الى حدود 4 يونيو 1967 على المسار السوري, فسوف تتعقد مهمته على المسار الفلسطيني الذي سيبدو شاذا في قضية تنفيذ قرار مجلس الامن رقم 242, ولذلك فانه سيبذل اقصى جهد للاتفاق على اطار الحل الفلسطيني قبل 13 فبراير ولا مانع لديه من صدور هذا الاتفاق في صيغة غامضة. * يتصور المفاوض الفلسطيني ان الاتفاق على تسوية المسارين السوري واللبناني سيدعه وحيدا بين فكي المفاوض الاسرائيلي وانه بهذا الاتفاق ستكتمل دائرة التسوية العربية الاسرائيلية, وقد تصبح قضية فلسطين اقرب الى القضايا الداخلية الاسرائيلية, وقد تذهب هذه النتيجة بريح الورقة العربية المساندة لفلسطين المفاوضة وينظر البعض الى مقولة (فاروق الشرع) بان الحل على المسارين السوري واللبناني سينهي الصراع الاسرائيلي العربي, على محمل الجد, وهذا قد يدفع المفاوض الفلسطيني الى مفاوضات ماراثونية تعجل بحل ما لقضيته قبل انفضاض بقية العرب المفاوضين الى شئونهم وحدهم بصفة لا رجعة فيها. * يتصور المفاوض السوري (واللبناني) انه اذا لم يتم التوصل الى تسوية اسرائيلية معه (معهما) خلال شهرين الى ثلاثة فسوف تفقد ادارة الرئيس كلينتون فرصتها في تحقيق اهم اختراق دولي يمكن ان تنهي بها عهدها امام الناخبين الامريكيين ولاسيما الشق اليهودي منهم ولذلك, يضغط هذا المفاوض على هذه الادارة بعامل الوقت المحدد للانتخابات الامريكية يحدوه في ذلك استشعار حاجتها لاستكمال التسوية, واحتمال ممارستها من ثم لضغوط على الجانب الاسرائيلي بهذا الصدد. * التصور السابق ذاته يحرك المفاوض الاسرائيلي وان من منطلقات مختلفة فهذا المفاوض يقدر حاجة الادارة الامريكية الحالية لتركة (شرق اوسطية) طيبة تزكى المرشح (ال جور) في الانتخابات المقبلة, وايضا حاجة كلينتون ومعاونيه للصوت اليهودي والصهيوني, وهي فرصة كي يستخدم الوقت المتبقى القليل على ذروة الموسم الانتخابي الامريكي في استحلاب الخزينة الامريكية لتمويل اسرائيل (اذا ارادت واشنطن تمرير مبدأ الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان بدون عقبات كبيرة بين يدى الرأي العام الاسرائيلي) . * تتصور بعض الاطراف العربية المعنية اكثر بمسيرة التسوية, ان العقل الاسرائيلي يربط ما بين المفاوضات متعددة الاطراف والثنائية, وذلك وفق قناعة مؤداها ان استئناف المتعددة والمؤتمرات الشرق اوسطية يطمئن اسرائيل الى الانفتاح الاقليمي (العربي بخاصة) عليها, وهو تصور يستحث هذه الاطراف على تشجيع هذه الاطر التفاوضية الجماعية, كمخفز للمفاوض الاسرائيلي على الالتزام باداء التزاماته على المسارات الثنائية في المواعيد المحددة, وعلى ذلك تبدو عملية تدفئة اطر التعاون الاقليمي التي تم تبريرها عربيا في عهد نتانياهو, وكأنها مكافأة يتم التلويح بها لحكومة باراك في هذا التوقيت. * يناقش العقل الاسرائيلي المفاوض جديا, قضية المفاضلة بين ابرام اتفاقات حول القضايا النهائية على المسار الفلسطيني مع السلطة الفلسطينية الحالية ام مع هذه السلطة بعد اعلانها عن دولة مستقلة؟ وتدخل في حيثيات هذا النقاش أبعاد قانونية وسياسية معمقة, فالاتفاق مع سلطة للحكم الذاتي اقل قدرا منه مع دولة معلنة معترف بها, مع انه يسمح لاسرائيل بالابتزاز والمساومة بشكل أقوى, لكن اعلان الدولة الذي يعرض الفلسطينيين لمساءلة قانونية دولية اوقع, قد يتخذ ذريعة منهم للمماطلة, والمساومة بهدف استخلاص ما لا تستطيعه سلطة للحكم الذاتي, والظاهر ان على العقل الاسرائيلي حسم هذا الجدل في وقت قصير. * يرى فريق من الفلسطينيين ان الادارة الامريكية جادة في التسوية على المسار الفلسطيني حديثها على المسارين السوري واللبناني, فهي لا تملك ارجاء الملف الفلسطيني بصفته (لب الصراع في الشرق الاوسط) , ولا يفيدها انتخابيا ان تغلق المسارين الاخرين فيما هذا الملف مفتوح, وعليه, يعتقد هذا الفريق ان البرود الامريكي تجاه المسار الفلسطيني مجرد مناورة تستهدف المزيد من التنازلات الفلسطينية, وان على المفاوض الفلسطيني التحلي بالصبر وعدم الانزعاج من حديث التسوية السورية الاسرائيلية, لاسيما وان بين المسارات الثلاثة السوري واللبناني والفلسطيني قضايا مشتركة, كاللاجئين مثلا, بما يستدعي صلة ما بينها. يلفت الانتباه ان (انعدام التنسيق) بين المسارين السوري واللبناني من جهة والفلسطيني من جهة اخرى, يدخل في صلب الحسابات الاسرائيلية لعامل الوقت عموما والمواعيد المحددة لخطوات بعينها بخاصة, ولذلك فان اي تدارك لهذه النقيصة التفاوضية العربية سيحدث ارباكا اسرائيليا شبه كامل في الحسابات المتعلقة بهذا العامل.