الحرية هي همس الانسان للانسان.. هي أداة نقل المشاعر الرحبة.. الراقية بيننا وبين الآخرين.. تصلنا بهم.. وتوحدنا معهم.. هي ذلك الساحر الذي يحول النحاس إلى ذهب.. ويقلب الغبار إلى ضوء.. والكدمات النفسية والجراح الاجتماعية إلى حروف متشابكة تصيغ عبارات المجد والروعة . الدليل على صدق هذه الرؤية يأتي هذه المرة من (ليدن) .. وليدن مدينة صغيرة تقع على بعد 20 دقيقة بالحافلة من العاصمة الهولندية أمستردام وتشتهر بجامعتها العريقة المتخصصة في الدراسات الاسلامية والشرقية, وقد تردد اسمها كثيرا على مسامعنا بعد ان دعت الدكتور (نصر حامد أبو زيد) ليصبح باحثا متفرغا ثم استاذا غير متفرغ فيها, وفي هذا العام منحته أفضل جوائزها العلمية جائزة (كرسي الحرية) . في نهاية القرن السادس عشر اشتعلت حرب الاستقلال بين الوطنيين الهولنديين والمستعمرين الأسبان وكانت هذه الحرب في جوهرها حربا طائفية بين المذهب البروتستانتي السائد في هولندا وبين المذهب الكاثوليكي القادم مع الغزاة الأسبان, وكانت معركة الاستقلال الفاصلة التي حررت هولندا من اسبانيا في (ليدن) وقد كان كل ما طلبه أهلها (من محرر هولندا ويليام أورنج) مكافأة لهم على دورهم الوطني هو ان تقام في مدينتهم جامعة من نوع خاص, تهتم بالتسامح الديني.. وتواجه التعصب والتطرف.. وتزيل ألغام الطائفية قبل ان تنفجر.. وهكذا تحول مبنى الدير المسيحي في (ليدن) الهادئة إلى جامعة مفتوحة لدراسة كل الأديان.. وحفرت على مبناها الرئيسي شعارا اصبح خالدا هو (الجامعة حصن الحرية) .. ومنذ ذلك الوقت وهي تحافظ عليه. وتعد هذه الجامعة اقدم مركز غربي لدراسة اللغة العربية والاسلام.. وسبقت مراكز الدراسات الاسلامية في العاصمة البريطانية لندن والمدينة الامريكية بيرجستون.. فقد مدت هولندا جسور التحالف السياسي مع الامبراطورية العثمانية.. ومن ثم راحت تدرس اللغات العربية والتركية والفارسية.. وبعد ذلك تطورت الدراسات الاسلامية فيها.. وفي هذه الجامعة اقدم واكبر مكتبة اسلامية في العالم بعد دار الكتب المصرية.. وعندما تمشي في حرمها ستجد باحثين من كافة انحاء العالم الاسلامي وغير الاسلامي.. لغاتهم مختلفة.. وثيابهم مختلفة.. وعاداتهم مختلفة.. لكنهم يتفقون في شيء واحد هو دراسة الاسلام والاديان الاخرى بكل الحرية والمسئولية. وبمرور الايام تأكدت الحرية العلمية والدينية للباحثين في (ليدن) حتى اصبحت اشهر ملامحها وخصائصها.. ففي 26 نوفمبر عام 1940ر. واثناء الاحتلال النازي لهولندا صدر قرار من الحاكم العسكري الالماني بطرد عدد من الاساتذة والباحثين في الجامعات الهولندية من مواقعهم العلمية والاكاديمية.. واعترض على القرار عميد كلية الحقوق الدكتور (رودلف كليفرنخا) الذي دخل محاضرة كان سيلقيها احد الاساتذة المطرودين والقى بدلا منه محاضرة اخرى اعلن فيها رفضه للقرار النازي وتحدي سلطات الاحتلال بان دعا الطلاب للتظاهر احتجاجا على هذه القرارات المنافية لحقوق الانسان بخلاف تدخلها في الشئون العلمية وحرية الجامعة. كان دكتور (رودلف كليفرنخا) يعرف مصيره مسبقا.. وكان مستعدا لملاقاته.. فقد جهز هو وزوجته حقيبة صغيرة.. فيها الادوية والاشياء الضرورية.. استعدادا للاعتقال.. وهو ما حدث بالفعل.. فقد كان زبانية النازية على باب المدرج في انتظاره.. لكن طلبة جامعة (ليدن) كلهم خرجوا في مظاهرة غاضبة.. ساخطة.. عارمة.. فكان ان قررت سلطات الاحتلال الالمانية اغلاق الجامعة.. وسجلت هذه الجامعة في التاريخ انها الجامعة الوحيدة التي تصدت لقسوة اودلف وفاشيته.. وظلت الجامعة مغلقة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.. وعندما عادت لها الحرية كانت تستحقها.. فقد دفعت الثمن. في عام 1970 قررت ادارة الجامعة تخصيص كرسي باسم الدكتور (رودلف كليفرنخا) لتكريم ذكراه يمنح سنويا لابرز الشخصيات التي لها انجازها العلمي والعقلي في مجالات حقوق الانسان والحوار بين الاديان والدفاع عن حرية الرأي... وحسب ما قاله لي البروفيسور الهولندي (فان كوينتر فيلد) استاذ الدراسات الاسلامية في جامعة (ليدن) فان هذا الكرسي الجامعي يعد جائزة دولية رفيعة المستوى.. ويعد (اعلى الجوائز الاكاديمية في الجامعات الهولندية) .. وهو يوصف بانه (كرسي الحرية) .. ويمنح لاستاذ متميز يقوم فيه بتدريس ما يشاء. في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الجمعة 14 يناير الماضي زار الدكتور (نصر حامد ابو زيد) في مكتبه في الجامعة عميد كلية اللاهوت واستاذ الدراسات التركية ممثلا عن كلية الآداب وابلغاه رغبة الجامعة في ان يعتلي هذا الكرسي.. وقالا له: (ان الموافقة على ترشيحه جاءت لأول مرة بالاجماع) .. كما انها المرة الاولى (غالبا) التي يعتلي فيها هذا الكرسي استاذ اجنبي غير هولندي. قابلت البروفيسور (فان كوينتر فيلد) في القاهرة.. جاء لشراء الكتب الجديدة من معرض الكتاب.. ورغم انه متخصص في تاريخ المغرب والاندلس فان له في القاهرة اصدقاء يحاورهم ويناقشهم ويمد بينه وبينهم جسور المودة والتفاهم.. وقد وجدتها فرصة لان اسأله عن رؤيتهم لقضية الدكتور (نصر حامد ابو زيد) .. كيف يرونها من المنظور الخارجي.. الغربي؟ لقد بدأت القضية بخلاف داخل كلية الآداب جامعة القاهرة على ابحاث الترقي للدكتور (نصر ابو زيد) .. لكن كان هناك من وجدها فرصة لاشهار سيف التكفير والتدمير.. ولم يمر سوى وقت قليل حتى تحولت القضية من قضية اكاديمية في الجامعة الى قضية سياسية امام المحكمة.. والمذهل ان المحكمة لم تناقش الابحاث ولكنها ناقشت الاحوال الشخصية للدكتور (نصر أبوزيد) .. فكان ان حكمت بتطليق زوجته منه على غير رغبتها.. وما هو يعني اهدار دمه. فكان ان ضاقت عليه بلاده, فتركها هو وزوجته إلى أرض الله الواسعة. قال البروفيسور (فيلد) اننا نرى ان الدكتور نصرأبوزيد شخصية علمية أكاديمية محترمة, وهو يحترم تخصصه الذي هو قمة فيه, ما جرى له في بلاده لا يهمنا, انها قضيتكم انتم.. وليست قضيتنا.. انها مثل غيرها من القضايا الانسانية التي تحمل الكثير من العناصر المعقدة.. مثل (الغيرة) العلمية.. وقد قال الامام (مالك بن أنس) (ان العلماء هم أحد الناس) .. ولكني أعتقد ان دارسي الدكتور نصر أبوزيد يعلمون جيدا انه أكاديمي عميق يتمتع بالكثير من الآراء الليبرالية, وهو غارق في الدراسات الاسلامية, فلو قيل عنه انه مرتد ـ وهو قول يفجر مأساة بكل المقاييس ـ فهذا عدم قدرة على استيعاب ما كتب وما فعل. لقد شغلت قضية (أبوزيد) الرأي العام منذ 4 سنوات وأصبح مطاردا من المتطرفين.. ومهددا بالقتل على أيديهم, كما ان كتبه باتت خاضعة لقوانين محاكم التفتيش, في ذلك الوقت تقدمت جامعة (ليدن) إليه بطلب استضافة في مكان هادئ لمواصلة أبحاثه, وقدم المنحة له مدير المعهد الهولندي في مصر البروفيسور (ليمهاس) وكانت لمدة سنة ولكن أبوزيد نجح في لفت الأنظار إليه في هذه الجامعة العريقة, ومن ثم أصبح استاذا غير متفرغ بها يشارك في المحاضرات وفي وضع الامتحانات وفي رسم سياسة الأكاديمية وفي الاشراف على الرسائل العلمية وتوج هذا الجهد بمنحه كرسي الحرية. كان لقائي بدكتور (فيلد) في ساعة مبكرة من صباح يوم شديد البرودة, وقد شجعتني صراحته وبساطته وثقته في نفسه على سؤاله: هل تعتقد ان الدراسات الاسلامية في جامعة (ليدن) وغيرها تساهم في ازالة سوء التفاهم الواضح بين الغرب والمسلمين؟ هل تقدر هذه الدراسات على تغيير الصورة المشوهة للإسلام في الأذهان هناك؟ قال: نتمنى ذلك, ثم أضاف: اعتقد ان هذا صحيح إلى حد كبير, ثم استطرد: ان الصورة المشوهة للاسلام ليست قوية في هولندا.. ولكن في اوروبا تصر التيارات اليمينية المتطرفة على فرض هذه الصورة في سعيها للتخلص من ملايين العمال المسلمين المهاجرين منذ زمن والذين أصبحوا عبئا اقتصاديا عليها بعد تفشي البطالة والتضخم وتدهور الخدمات العامة.. وتشن هذه التيارات الحملات على الاسلام والمسلمين.. وتنتقد كل الكتابات التي تحاول توضيح الصورة على حقيقتها.. ومنها كتاباتي.. وتنتقد كذلك جامعة (ليدن) وتتهمها بالتخريب ودعم العنف) . وسألته: (هل تصدق ما قاله صمويل هنتينجتون عن نظرية صدام الحضارات التي فتحت ابواب الحروب العرقية والدينية فحولت خريطة العالم الى خريطة محترقة بالصراعات المسلحة والمذابح البشعة؟) . قال بلا تردد: لا.. لا اؤمن بهذه النظرية.. الحضارات ليست مسئولة عن الحروب.. المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية هي التي تقرر متى تكون الحرب ومتى يكون السلام.. ولكن.. تسامح الاديان والحضارات يفوت الفرصة على السياسيين والعسكريين بحيث لا يستغلون التطرف والتعصب كذريعة لتحقيق مآربهم... ان مجانين التطرف والتعصب في كل ديانة هم الذين يفتحون الابواب على آخرها ليدخل منها تجار الحروب وسماسرة السلاح ومثيرو الفتن الطائفية والعرقية.. ومتى دخلت الحرب من الابواب خرج الرخاء والاستقرار من الشبابيك. قلت له: لقد كانت الحروب لعبة الكبار التي يصفون بها نزاعاتهم.. ويحققون بها طموحاتهم ولانهم كبار فحروبهم كانت كبيرة.. عالمية.. لكن بعد ان خسروا مئات الملايين من مواطنيهم ومليارات الدولارات من ثرواتهم استوعبوا الدرس.. وصدروا اللعبة للصغار.. الذين دخلوا حروبا على قدر احجامهم.. فكانت حروبهم بالتقسيط او بالتنقيط.. وقد كسب الكبار من ورائها الثروة والقوة والسيطرة.. ومن ثم سعوا للابقاء على نيران الصراعات مشتعلة.. واجتهدوا في خلق الاعداء الجدد.. فلا حرب بلا اعداء. وسؤالي هو: هل تعتقد أن الإسلام كما يشاع هو العدو الذي اخترعه الغرب بعد سقوط الشيوعية, هل هو هدفه الجديد لمواصلة لعبة الحروب؟ قال: أعتقد أنه من الصعب الموافقة التامة على هذه النظرية, وايضا من الصعب نفيها كلها, فقد قال (فيليكلاس) السكرتير العام لحلف (الناتو) صراحة: ان الاسلام هو الخطر القادم, وقد ناقشت هذه القضية في كتاب نشرته في هولندا عنوانه (حقيقة الخطر الاسلامي) , وقلت فيه: إن سوء الفهم السائد في اوروبا هو السبب في هذا التصور الذي لا يتسم بالدقة, وقد تزايد سوء الفهم الاوروبي بسبب وجود 12 مليون مسلم يعيشون بيننا ويطالبون بحقوق المواطنة والرزق والعبادة, ولا جدال ان وجودهم في اوروبا يسبب العديد من المشاكل, وقد حاول البعض الربط بين هذه المشاكل والإسلام, وهو خطأ يتنافى مع الديمقراطية والليبرالية الغربية التي تتسم بسعة الافق والتروي في فحص الامور قبل التسرع في الحكم عليها. قلت له: انها الفجوة بين الحقيقة وسوء الفهم, وبين الدراسات الاكاديمية والصورة التي تشيعها (الميديا) فقال: ان هذه الفجوة كبيرة, فأجهزة (الميديا) هي التي تسيطر على الرأي العام وتمسح ذاكرته وتسيره منوما, ونحن نحاول ان نضيق هذه الفجوة بتعديل المناهج الدراسية بحيث نقدم الصورة الصحيحة للاسلام وندير مناقشات عريضة في اجهزة (الميديا) خاصة التلفزيون, ولكن على الجانب الاخر, يدمر المتطرفون المسلمون بما يفعلونه كل مساحات التغيير التي نقطعها. وسألته عن المستشرقين, وهو واحد منهم, هل هم ابرياء دائما, ام ان دراساتهم عن الاسلام فيها الكثير من التجني أحيانا؟ ومرة اخرى رفض الرجل التعميم, فهو قد اعترف بدور المستشرقين في التبشير, وفي تمهيد الارض امام الهجمات الاستعمارية, لكنه في الوقت نفسه طالبنا الا ننسى ان المستشرقين هم الذين جمعوا العديد من كتب التراث الاسلامية النادرة وحفظوها من الفناء, مثل كتاب (المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي الشريف) , كما انهم قدموا أول موسوعة اسلامية في العالم, ان المستشرقين يلعبون دورا مهما بالرغم من كثير من العيوب التي يحاولون تلافيها والاخطاء التي يسعون لتصحيحها. ان (جائزة الحرية) التي نالها هذا العام الدكتور نصر ابوزيد, فتحت الباب لمناقشة كثير من القضايا بحرية, وهذا هو دور ورسالة المفكر القوي, سواء كان في وطنه أو في خارجه.. وسواء أيده الناس أم خالفوه في الاجتهاد.