الاندونيسيون يحنون الآن الى ايام سوهارتو. والجزائريون يتحسرون على عهد بومدين. وفي السودان والمستعمرات الافريقية سابقا يحن الناس الى عهد الادارة الاستعمارية في زمان الانجليز أو الفرنسيين. لماذا ان الامر يتعلق اساسا بمسألة (الخبز والحرية) هناك أنظمة حكم تسلب الناس الحرية لكنها في المقابل توفر الخبز, وهناك انظمة تسلب الناس الحرية والخبز معا. وهذه الاخيرة هي التي تجعل شعوبا تتحسر على عهود ماضية كانت على الاقل ملتزمة التزاما مبدئيا بتوفير ضرورات الحد الأدنى للبقاء للطبقات الشعبية. وعلى رأس هذه الضرورات يأتي الخبز اليومي ومتعلقاته من فرص عمل توفر مصدرا معقولا للدخل, وخدمات اساسية كالماء النقي والامداد الكهربائي والتعليم الاساسي للأبناء مع وفرة العلاج الطبي بأسعار مخفضة أو رمزية.. وقبل هذا وذاك سكن صحي. عندما تتوفر هذه الاوليات فإن الطبقات الشعبية قد لا تعير اهتماما كبيرا بالحريات السياسية. لكن المشكلة هي أن الشعوب قد تركب احيانا مخاطرة غير محسوبة, بالدوافع الغريزية لحب الحرية, ينهض شعب في وجه نظام استبدادي يوفر الخبز مطالباً بتصفية النظام فتكون النتيجة النهائية إما حلول نظام استبدادي آخر يسلب الناس الخبز ولا يعطي حرية... أو حلول فوضى تفرز نظاما فوضويا يمارس أيضا السلب والمنع. شيء من هذا القبيل هو الذي جرى في اندونيسيا مثلا. فالجنرال سوهارتو كان بأي معيار دكتاتورا فاسدا يمارس الحكم استنادا الى قوة الجيش, لكن ما لا يستطيع ان ينكره حتى الجاحدون ان الجنرال حقق لاندونيسيا خلال نحو 30 عاما من الحكم نقلة اقتصادية نوعية كانت قصة نجاح باهر مع نماذج (نمور آسيا) الأخرى ـ كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلاند وهونج كونج وماليزيا. وقد تضاعفت في عهده معدلات النمو في اندونيسيا بما انعكس ارتفاعا نسبيا في المستويات المعيشية رغم فساد الجنرال وأسرته والمقربين إليه. وكعاصفة فجائية جاءت الازمة الآسيوية قبل نحو ثلاث سنوات حين اجتاح بلدان (نمور آسيا) انهيار في العملات الوطنية أدى بالتداعي الى انهيار اقتصادي عام. هنا ركب الشعب الاندونيسي المخاطرة غير المحسوبة. فقد أدت تفاعلات الكارثة وانعكاساتها السالبة على الحياة المعيشية اليومية الى انتفاضة شعبية طالب قادتها ليس فقط بتنحية الجنرال سوهارتو بل وبتقديمه الى محاكمة بتهم الاثراء غير المشروع. ولو أعيد سيناريو الاحداث الى ما كان عليه قبيل اشتعال الانتفاضة لربما راجع قادة الشارع الاندونيسي انفسهم بالمقارنة مع ما آل اليه الحال اليوم. فقد سيطرت فوضى عارمة ادت لتسارع الانهيار الاقتصادي بحيث تبدو نوعية الحياة التي كانت سائدة في عهد سوهارتو بالمقارنة مع البؤس المتضاعف اليوم وكأنها كانت حالة من الرخاء الاسطوري. فاستطلاعات الرأي المتوالية التي تعكس المشهد الاندونيسي اليوم يتقاسمها إجماع شعبي مضمونه التحسر على عهد سوهارتو رغم دكتاتوريته وفساده. هذا المشهد ليس شاذا. فهو تكرر ويتكرر في الجزائر حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب المتعلم الى نحو 40 في المئة وحيث يجري معدلات التضخم بنسبة 120 في المئة في المتوسط وحيث يعاني محدودو الدخل بالتالي من سوء التغذية وانتشار المرض, يحن الناس الى ايام الرئيس هواري بومدين حين كانت السوق الاستهلاكية مترعة بوفرة سلعية بأسعار متدنية وثابتة وحين كانت الدخول الشخصية للعاملين متناغمة مع السوق. هذا المشهد متكرر الان في السودان وبقية البلدان الافريقية حيث يستدعي الناس في أذهانهم أحوال الماضي البعيد في عهد الادارة الاستعمارية الاوروبية .. أجل..كان استعمارا.. ولأنه كذلك فإنه استفز الشعوب للتحرك النضالي طلبا للحرية الوطنية. لكن الاستقلال الوطني لم يفرز بتعاقب انظمة تفتقد الكفاءة والنزاهة سوى إحباط على احباط لمدى عقود متصلة حتى يومنا هذا. ولنقل ما شئنا عن الاستعمار بشكليه الانجليزي والفرنسي في افريقيا. لكن يجب ان نقر موضوعيا بأنه كان يوفر اساسيات الحياة اليومية للقطاعات الشعبية.