من مصر جاءتنا الاسبوع الماضي قضيتان على جانب كبير من الاهمية, القضية الاولى اثارها ناشرو كتب الاطفال حول معاناتهم في ترويج كتبهم في معرض القاهرة وفي العالم العربي عامة, حيث لايتلقون الدعم الحكومي الكافي مايشكل لهم عراقيل كثيرة بسبب ارتفاع تكلفة انتاج الكتب ونشرها وتوزيعها وتسويقها خارجيا . القضية الثانية من معرض القاهرة للكتاب كذلك حيث اثار مقال الروائي فؤاد قنديل مدير الثقافة العامة في هيئة الثقافة الجماهيرية التابعة لهيئة قصور الثقافة في مصر, موجة استياء ضد موسوعة امريكية مترجمة وموجهة للطفل العربي تضمنت تشويها للثقافة العربية وتزويرا للتاريخ العربي, ما جعل الهيئة العامة للكتاب في مصر تأمر بوقف بيع الموسوعة. وفي العام الماضي وفي معرض القاهرة للكتاب ذاته, سحب كتاب مترجم ايضا وموجه للاطفال بسبب الانتقادات التي وجهها اليه المثقفون المصريون لما يحويه من تطاول وتشويه للاسلام والرسول عليه الصلاة والسلام. هذه القضايا الثقافية الخطيرة تتعامل معها المجتمعات والامم المتحضرة بحساسية شديدة وبحذر فائق, لان الذي يتم تشويهه والتطاول عليه هو القاعدة الاساسية لبناء فكر الانسان وتحديد توجهاته, ونقصد به تاريخه وثقافته ودينه, وهنا مكمن الخطر, والأهم ان الفئة المستهدفة هي الاطفال, الذين يعتبرون البيئة الملائمة جدا لزرع اية بذرة, والعقول البيضاء النقية التي يمكن مهاجمتها بسهولة وملؤها بأية اوهام واكاذيب طالما لم تتوفر لها الدعامات والحصانات اللازمة. من هنا يتوجه (الاخرون) الذين يريدون زعزعة ثوابت الامة الى الطفل وعن طريق الكتاب تحديدا, جاعلين التاريخ والحضارة والدين المحاور التي يرتكزون عليها في عملية الهدم المنظمة التي يقومون بها, وهم عندما يفعلون ذلك, فإنما يستندون الى علم ويقين بأن الطفل العربي قابل للتلقي واستهلاك مايقدم له مترجما عن الاخرين بكل علله وتشويهاته, ذلك ان القائمين على امر ثقافة الطفل لا وجود لهم في المجتمع العربي للاسف. هم يستندون ايضا على حقيقة ان كتاب الطفل غير موجود في البيئة العربية, او غير مصنوع عربيا, لان الدولة لا تشجع هذ الكتاب تأليفا وطباعة ونشرا وتسويقا, ولان الكتاب الذين يهتمون بأدب الطفل من الندرة بحيث نستطيع القول بأنهم غير موجودين على خريطة الكتاب المنصرفين نهائيا للرواية وكتب التراث والدين فقط, وكأن الطفل كائن لا اهمية له, ولا ضرورة للاهتمام به. هذا الجهل المطبق بقيمة كتاب الطفل والكتاب الذين يهتمون بأدب الطفل هو ما يشجع الاخرين على ان يقدموا لاطفالنا كتبا تقول بأن (القدس عاصمة اسرائيل) حقيقة تاريخية, وبأن السد العالي ساهم في خراب مصر, حاذفة اسماء كبار العلماء والفلاسفة المسلمين والعرب من التاريخ مقدمة الحضارة العربية وكأنها استنساخ من حضارة الرومان لا اكثر. نحن الذين نترك لهؤلاء فرصة تشكيل وعي ووجدان اطفالنا, بجهلنا وتكاسلنا وتقتيرنا وقلة وعينا, ولو وعينا خطورة الذي يحدث, لدققنا فيما يترجم, ورصدنا جوائز قيمة لأدب الطفل, وأصدرنا قرارا بتشكيل هيئة عامة لأدب وثقافة الطفل, وقدمنا الدعم المادي للاشخاص والجهات المهتمة بأدب الطفل والتي تعمل بجهود فردية شديدة الصعوبة. اطفالنا امانة والاخرون يعملون على توجيههم لصالح ما يتم الترتيب له في كواليس السياسة, والتطبيع الذي نرفضه نحن اليوم مع (اسرائيل) سيقبله ابناؤنا ذات يوم ببساطة وابتهاج لانه يتم اعدادهم لذلك وامام اعيننا, وللأسف نحن نبتسم ولا نفعل شيئا سوى الفرجة!