تميزت دول مجلس التعاون الخليجي باستقرار سياسي استمر على مدى عقود وقرون فقد جاءت الاسر الحاكمة الى الحكم في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وفي القرن العشرين مما يدل على حالة من الاستقرار البعيد المدى الذي لم تعرفه الكثير من البلدان العربية . وقد تم استقرار هذه الدول بالرغم من مرور موجات متعاقبة من عدم الاستقرار في البلاد العربية, فقد نجحت هذه المجتمعات بتجاوز عملية الانتقال من عصر ما قبل الدول الى عصر بناء الدول, ومن عصر الاستقلال في مواجهة الاستعمار الى عصر القومية العربية والانقلابات العسكرية, كما انها نجحت في الانتقال من مرحلة الموجه القومية الى مرحلة التعامل مع الثورية اليسارية والحركة الفلسطينية التي نشأت بعد حرب 1967 ثم نجحت هذه الدول في التعامل مع اثار الثورة الاسلامية والعنف الصادر عن جماعات متطرفة والذي بدأ جديا في الثمانينيات, في كل هذا نجحت دول الخليج في المحافظة على استقرارها الداخلي والسلام الامني والمجتمعي وقد شكلت الحرب الايرانية العراقية تحديا بحد ذاته نجحت هذه الدول في تجنب عواقبها واثارها, وقد كان اخطر ما تعرضت له دول الخليج: الغزو العراقي لدولة الكويت فقد اعتبر هذا الغزو محاولة لتدمير النظام الخليجي الامني وسلامه الداخلي. واعتبر الغزو ايضا محاولة لقلب الموازين لصالح النموذج العراقي في الحكم: نظام جمهوري عسكري مطلق. وقد ربط بعض الباحثين والمفكرين استقرار دول مجلس التعاون بتوفر المال اللازم لتوزيع الثروة الداخلية وبينما للثروة النفطية المالية دورها الا انها لا تفسر حالة الاستقرار السياسي في دول مجلس التعاون فالنفط متوفر في ليبيا الا انها لم تنعم بالاستقرار الذي عرفته دول الخليج, وهو متوفر في العراق وفي ايران ولم تنعم هذه الدول بالاستقرار المطلوب بل مرت بثورات وانقلابات وحروب اكلت من اقتصادها ومستقبلها. ان اسباب الاستقرار السياسي في دول الخليج يعود لعدة عوامل متداخلة ومترابطة, العامل الاول والاهم مرتبط بقيام هذه الدول بمراعاة قوانين العائلات والعشائر والقبائل والاسر في اطار الحفاظ على السلم الاجتماعي اذ لم تشهد هذه الدول تأميمات تستهدف القطاع الخاص والعائلات الكبيرة. وشهدت بعد ذلك مصالحات واعادة لم للصفوف من خلال التعيينات والترقيات والمصاهرة والتسامح وقد عني هذا الاستعداد الدائم لاعادة رسم العلاقات ولاعادة تجميع التنوع والاختلاف انتصارا للسلم الداخلي والتعايش. وقد ادت هذه الخصلة السياسية الى المقدرة على احتواء المعارضة بمختلف اشكالها. وقد شهدت هذه المجتمعات تعيينات واستيعاب في مؤسساتها وحكوماتها لممثلين عن التيارات المعارضة, بل ان عملية الاحتواء والاستيعاب اصبحت واحدة من الممارسات السياسية التي ميزت دول الخليج فكم من قومي اصبح مرتبطا بالدولة والملك والامير, وكم من اسلامي تخلى عن حزبيته لصالح العمل مع المؤسسة الحاكمة هذه المقدرة على الاستيعاب ساهمت في تفريغ المعارضة من زخمها وقوتها, بل اثبتت هذه السياسة صحة تشخيص النخب الحاكمة من ان المعارضة في مجتمعاتها لم تصل الى جذور المجتمع وان استيعابها ممكن من خلال تعديلات واصلاحات. ومن العوامل التي ساهمت في السلم الاجتماعي الخليجي هي تلك المقدرة السياسية على اقلمة الخطاب السياسي لصالح المتغيرات الجديدة في كل مرحلة, فالكثير من دول الخليج تبنت الخطاب القومي في الستينيات والسبعينيات ثم تبنت الخطاب الفلسطيني الثوري والتحرري في السبعينيات لتجد انها تواجه خطابا اسلاميا يسعى لزعزعة, الاستقرار لهذا تبنت هذه الدول الخطاب الاسلامي المحافظ, ودعمت الثوار المسلمين في افغانستان في الثمانينيات وساهمت في نشر نمط من الاسلام المحافظ الرسمي في اقطار عدة لتكتشف بعد ذلك انه عليها ان تفتح المجال الان للخطاب الاصلاحي والشبه ديمقراطي. ان عملية التأقلم قادت دول الخليج لتبني مبادىء اولية في المشاركة السياسية وقد تم ذلك من خلال انشاء مجالس للشورى في عدة دول خليجية, وقد عكست مسيرة هذه المجالس وتوسيع بعضها واعطاء بعضها الاخر مزيدا من الصلاحيات والتحدث عن انتخابها في مراحل مقبلة تعبير عن حالة التأقلم هذه المشاركة تصل الى حدها المتقدم في التجربة البرلمانية الكويتية, لكن افاق تعميم التجربة خليجيا في السنوات الخمس المقبلة تبقى افاقا قائمة. ان دول الخليج تواجه في هذه المرحلة العديد من التحديات الاقتصادية التي تحتم عليها ممارسة الاصلاح الاقتصادي والبدء ببرامج انفتاح واعادة الاعتماد على القطاع الخاص, كما تواجه تحديات تتعلق بتوسيع حيز المشاركة الشعبية للمجتمع بكل فئاته الضغوط المقبلة تأتي من الداخل والخارج حيث يبرز جيل جديد يطالب بالمزيد وحيث تتشكل حالة دولية تفرض على الدول مزيدا من الوضوح في بياناتها ومزيدا من العلنية في سياساتها ومزيدا من الالتزام تجاه مجتمعاتها. ان التاريخ الحديث لدول الخليج يجعلنا اقدر على التنبؤ بأن هذه الدول سوف تنجح في مواجهة هذه التحديات وان المرونة التي مارستها في السابق قد تساهم في عبورها الطريق الصعب في المستقبل خاصة وان جيلا جديدا يدق اليوم على ابواب الحياة العامة. لكن هذا لايعني ان تحديات الانتقال الراهنة سوف تخلو من الاختلافات الكبيرة ومن افاق البطء واحيانا الفشل, التحدي القادم اكبر من التحديات السابقة, وهو يتطلب الكثير من الاستعداد والابتكار. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت