هل هو التساؤل الذي يتبادله هذه الايام قادة اسرائيل وزعماء المنظمات اليهودية العالمية وهم يتابعون بغير قليل من الارتعاب بروز التشكيل الحكومي الجديد في النمسا وهم يركزون الانتباه على (حزب الحرية) وزعيمه يورج هايدر.هايدر شخصية ذات توجه قومي. وبهذا التوجه فان اجندته السياسية التي تدعو ضمن ما تدعو الى تصفية وجود المهاجرين الاجانب في النمسا, لقيت تجاوبا جماهيريا واسعا انعكس كتأييد كاسح لحزب (الحرية) في الانتخابات العامة التي جرت مؤخرا. فقد حظى الحزب بثلاثة وثلاثين في المئة من اصوات جمهرة الناخبين.. وهي نسبة لا يمكن الاستهانة بها لانها جعلت (حزب الحرية) الحزب الاول المتفوق على الحزبين الكبيرين الآخرين اللذين يمثلان اليمين واليسار. ما الذي يرعب اسرائيل واليهودية العالمية اذن من صعود مذهل لحزب نمساوي يعادي الوجود الاجنبي؟ والاجابة هي ان عبارة (الاجانب) مقصود بها بالدرجة الاولى يهود النمسا كشريحة طبقية متميزة ذات سيطرة احتكارية على قطاع المال والاعمال بما في ذلك احتكار النظام المصرفي. وباعتمادها التقليدي على التمويل اليهودي ظل حزبا اليمين واليسار يتمتعان بدورهما بدور احتكاري للسلطة, اما بالتناوب او الائتلاف. الآن صعد الى القمة السياسية حزب يعبر عن مشاعر التذمر الجماهيري المتنامي ضد السيطرة اليهودية التي ترافق معها فساد قادة الحزبين الكبيرين على صعيد الاستثمار السلطوي للاثراء غير المشروع. هذا في حد ذاته مخيف من وجهة النظر الاسرائىلية والصهيونية. لكن ما يرفع درجة هذا الخوف الى ارتعاب ان هايدر ينطلق في دعوته السياسية الجريئة من افكار نازية. لقد سبق ان ادلى هايدر بتصريحات نارية عن معتقداته النازية الهتلرية.. ثم نفاها لاحقا.. ثم جهر بها مرة اخرى بصورة مغلفة. ويبدو انه كان يريد فحص ردود الفعل الخارجية. ردود الفعل الخارجية هذه ابتدرها القادة الاسرائيليون بتهديدات قوية بوقف اي تعامل مع النمسا في حال تشكيل حكومي يضم (حزب الحرية) والتجاوب الذي لقيته اسرائىل في دول الاتحاد الاوروبي بعد هذا التحرش بالنمسا يعيد الى الاذهان الى اي مدى نجحت الحركة الصهيونية العالمية في اختراق احزاب (اليسار المعتدل) التي تسيطر على التشكيلات الحكومية في اوروبا الغربية وخاصة بريطانيا (توني بلير) وفرنسا (جوسبان) والمانيا (شرودر), ولا شك ان ما يعتمل في اذهان القادة الاسرائيليين واليهود هو ربط الماضي بالحاضر. فالماضي القريب الماثل للاذهان يفيد بأن النمسا هي موطن ادولف هتلر. وفي فينا العاصمة عاش هتلر سن صباه وشبابه الباكر حيث تشكلت بواكير رؤاه السياسية وافكاره بشأن توحيد الشعوب الالمانية الموزعة في بعض البلدان الاوروبية ومن بينها الشعب النمساوي مع المانيا الام من اجل تكوين كيان دولة عملاقة تحكم اوروبا كلها شرقا ووسطا وغربا. لتحقيق هذا الطموح العظيم كان في مقدمة اجندة هتلر تحرير اوروبا من الاقليات اليهودية الاستغلالية. هذا ما يرويه لنا التاريخ القريب كماض انطوت صفحته لكن الماضي يلقي الآن بظلاله على الحاضر. فالانتصار السياسي النازي في النمسا على يد يورج هايدر وحزبه تتجاوب معه منظمات الشباب النازية الهتلرية التي اخذت تبرز في السنوات الاخيرة داخل المانيا نفسها ودول اوروبية اخرى كالسويد. من هذا المنظور الاكبر يتفكر قادة اسرائىل والمنظمات اليهودية العالمية ليس بعين الحاضر فقط وانما بعين المستقبل ايضا فالعدوى قد تنتقل من النمسا لتنتشر في بقية اوروبا.. والتاريخ قد يعيد نفسه.