ان الكتابة السياسية في العالم الثالث تنطوي على الكثير من الصعوبات, بل والمخاطر التي تحيق بأولئك الذين اختاروا امتطاء صهوتها المعاندة. ومن اعجب المفارقات في هذا المجال ان الكتاب السياسيين المغرضين الذين يكتبون لارضاء جهات أو لخدمة ايديولوجيات معينة, يجنون من وراء كتاباتهم أرباحا كبيرة, ويجدون ابواب النشر امامهم مفتوحة لدى الجهات التي تتبناهم والتي تقرع لهم طبول الشهرة الزائفة باستمرار. ولكن هؤلاء يسيئون الى مصالح الأمة ويضرون بالوطن, لأن انتاجهم لا يهدف الى كشف الحقائق ورسم حلول المشكلات, وانما لتوجيه القراء توجيها احاديا ومغرضا لصالح بعض الفئات. اما الكتاب السياسيون الشرفاء, فان معظمهم يعانون من شظف العيش والتعرض لشتى المخاطر, مثل العزل والابعاد وغيرهما, كما ان مجال النشر امامهم محصور بالدوريات والمنابر الاعلامية الشريفة والموضوعية والتي تتبنى الاتجاه السياسي التعددي, وتهدف الى خدمة الوطن ورعاية مصالح الامة كلها لا فئات محدودة منها. وبصورة عامة, فحتى يكون الأديب أو الكاتب أو الصحفي, وهي كلها تكاد تكون أسماء مختلفة لمسمى واحد تقريبا, قادرا على حمل الامانة الموكلة اليه, واداء الرسالة المنوطة به, فانه لا يكفي ان يكون بليغ القلم, فصيح الاسلوب, وان يملك ناصية الادب, ويحوز على مقدرة كتابية راقية, وامكانات ثقافية واسعة, بل لابد ان يتوافر له شرط اساسي يسمو على كل ما عداه, الا وهو الضمير الحي والخلفية والاخلاقية السامية, فالكاتب القدير المتمكن, اذا افتقر الى النهج المستقيم والسلوك السديد, وعازه الخلق القويم, يتحول قلمه الى خطر كبير, يمكن ان يشوه ثقافة الامة, ويمسخ قيمها, ويفسد ادابها وعلومها, مثل هذا الكاتب, قد يستغل ادبه لخدمة مصلحته الخاصة, وتحقيق مآربه الشخصية, فيغدو قلمه وسيلة للتسميم الثقافي واداة للتوجيه الخاطئ, ويزداد الامر خطورة, عندما يتعلق بالجانب السياسي, فالكاتب الذي يمتطي صهوة الكتابة السياسية, وهو خال من الضمير الوازع الاخلاقي يسبب للامة من الاضرار الجسيمة, اكثر مما يسببه الكاتب الذي يمخر عباب الثقافة والأدب وباقي أصناف المعرفة. واذا حاولنا اليوم, ان نتقصى الأقلام العربية التي تعمل في ساحة الادب, ومعترك الصحافة والاعلام, وان نفرزها, لوجدنا منها اقلاما خيرة ونزيهة, واخرى مارقة ومخربة, فهناك (أولا) القلم الشريف, وصاحبه ينذر عمله لمصلحة بلده, ويغمس قلمه في مداد الام أمته وآمالها, فينتقد عيون المجتمع ويحاول ايجاد الحلول للمشكلات القائمة, مصورا الواقع, مهما كانت ملامحه متحريا الحقيقة, حتى لو كانت مريرة, وهو يكتب بموضوعية, ومن خلال منظار تعددي, دون ان يتأثر بمصالحه الشخصية. وهناك (ثانيا) , القلم الجريء ويعبر الاديب بواسطته عن ارائه بجرأة, ويفصح عن افكاره بجسارة, ويبسط وجهات نظره باقدام وشجاعة, حتى لو ادى ذلك الى تعريضه للاخطار والانتقادات, انه يقول كلمة الحق, حتى لو اغضبت نفرا من الناس او اثارت نقمة ذوي الجاه والسلطان, ولا شك ان المجتمعالعربي, بحاجة اليوم, اكثر من اي وقت مضى, الى مثل هذا النوع من الكتاب الذين يجهرون بالحقيقة, مضحين بمصالحهم الخاصة, في سبيل الخير العام, وما من وسيلة تفتح طريق الاصلاح, وتساعد على عودة الامور الى مسارها الصحيح, مثل النقد الجريء الجسور, شريطة الا يصل هذا النقد الى حد التهور والمجازفة العمياء والاساءة البالغة والتجريح العنيف. وبعد ذلك, نأتي, (ثالثا) الى القلم المرتزق الذي يستخدم صاحبه الادب, وسيلة للاثراء واداة للتكسب, دون النظر الى اي اعتبار آخر, مثل هذا القلم, يهوي بالكتابة من برجها الشامخ ويهبط بالكلمة من مكانتها السامقة, وينزل بالصحافة من علياء رسالتها النبيلة, سعيا وراء الربح المادي السريع. انه يحول الكتابة الى تجارة والادب الى منفعة, ويجعل من الصحافة وسيلة للابتزاز. وبوجيز العبارة, فان الكاتب المرتزق لا يصوغ عبارة, او يسطر فكرة, او يدبج كلمة, الا بمقدار ما يعنيه ذلك من ربح مالي, واقرب الاقلام شبها به, القلم الانتهازي, (رابعا) , وصاحبه يسير عادة مع التيار ويسبح مع الامواج المتقدمة, فيؤيد الاوضاع القائمة, ويقسو بالنقد على العهود البائدة, انه الكاتب الزئبقي الذي يلبس لكل حالة لبوسها, ولا يذكو انتاجه الكتابي الا في ظل النفاق, وكنف الرياء, وتحت مظلة التملق, تراه يمينيا, اذا ساد اليمين, ويساريا في عهد اليسار, ملكيا اذا ارتفعت راية الملكية, وجمهوريا اذا انتصرت الجمهورية. ونذكر, (خامسا) , القلم المتطفل, وصاحبه يفتقر الى الامكانات الادبية والقدرات الكتابية التي تجعله أهلا لممارسة فن الكتابة, وجدير بطرق باب الادب, لذلك نراه يلجأ الى الوساطات والمداخلات لنشر اعماله الهزيلة وانتاجه الغث, وهو بدلا من ان يعوض عن ضعف امكاناته, بالعمل الدؤوب والجهد المستمر, يسعى الى فرض نفسه على الساحة الادبية, فيستغل صداقاته بين صفوف الناشرين او يستثمر نفوذه, اذا كان صاحب نفوذ, او يلجأ الى اساليب ملتوية اخرى. هذا النوع من الكتاب, قد يفلح ويلمع لفترة من الزمن, ولكن شمعته لابد ان تنطفئ في نهاية المطاف. ولا ننسى (سادسا) , القلم الصارم, ويلجأ صاحبه الى سرقة اعمال الكتاب الآخرين, بعد تعديلها وتحويرها, ثم نشرها باسمه, وكأنها نتاج يراعه. وقد اصبح امر الذين يلجؤون لمثل هذه الاساليب, ممتهنين حرمة الادب, ومستهترين بقدسية الصحافة, معروفا في اوساط الكتابة, ولكن الاهم من ذلك اثبات السرقات وايجاد السبل الناجمة لردع اصحابها, ومعاقبتهم. ولا يسعنا هنا, الا ان نرحب بما تسعى اليه دار المجد السعودية للنشر من اصدار موسوعة فريدة حول السرقات الأدبية. ولكن هذه مجرد خطوة في الطريق. ولابد من تحرك المؤسسات الثقافية العربية, تحركا سريعا جادا لمواجهة مشكلة لصوص الكتابة. وهناك طبعا اقلام اخرى لا يتسع المجال لذكرها. ولابد للقارئ الحصيف, من ان يكشف الكتاب وان يفرزهم, مع مرور الزمن, مهتديا بآراء وافكار المخلصين منهم, ومتجنبا التأثر بتوجيهات وايحاءات الكتاب المغرضين الذين يبيعون أقلامهم, او يسخرونها لصالح الشر. * كاتب سوري