في عالمنا العربي لا توجد في العادة مناطق وسطى, فهي اما سوداء او بيضاء. وانت اما ام تكون مع العولمة او ضدها, اما مع التطبيع او ضده, اما مع الحكومة او ضدها, اما مع العراق او مع الكويت, اما مع السلام او ضده. لا احد يترك لك الفرصة كي تستمتع بارتياد المناطق الرمادية فتناقش وتفهم وتقارن وتتعلم . بل لا احد يترك لك المجال كي تنأى بنفسك عن الوقوع في احدى الكماشتين المنصوبتين بحذق. فلكي تكون مستوعبا ضمن الحالة العامة, ومنسجما مع سياق مفرداتها, ومقبولا عند اهلها, فلا مفر امامك من ان تدرج او تندرج في اطار حدد لك سلفا. فليس مسموحا لك ان تقول مثلا بأن كلا الموقفين صحيح ولكن بدرجات متفاوتة, او ان ما يبدو صحيحا ليس بالصورة التي نعتقدها او ان المسألة تحتاج الى استيفاء المزيد من الشروط والمعطيات. هذا كله يعتبر ضربا من الجنوح عن النقاش العام, وشذوذا على قواعد الجماعة, ومن ثم فهو مستهجن, لانه لا يلبي حاجة المتخاصمين الى الدعم والمؤازرة! وظني ان تطلب المواقف في بعديها الحديين (مع او ضد) هو من قبيل تطلب السهولة وركوب المركب اليسير. فلا احد يريد ان يتعب نفسه, او يشقيها في البحث والتنقيب والتفكير. فالذاهبون الى الندوات والمحاضرات, لسان حالهم يقول (هيا لقد ارهقتنا ايها المحاضر, ولم نعرف منك بعد هل انت مع او ضد) ! والمستمعون الى (صراع الديكة) في الفضائيات العربية, لا ينظرون سوى الى كيف سيفحم (ديكنا) الممثل لرأينا, (ديك) الآخرين, ويهزمه شر هزيمة! والواقع ان المسألة جذرها العميق في الوعي والثقافة العربيتين. وليس من قبيل الصدفة, ان الاراء والمواقف غير القاطعة وغير الحدية تصنف على انها تردد او تمييع او جبن او تهيب او تلاعب بالكلمات, وما الى ذلك. فالناس هنا تكره النسب وتكره الاحتمالات وتكره الاجابات غير المحددة التي تضع امامك جميع الخيارات الممكنة, لتوازن بينها وتختار منها الاقرب الى الصحة. الناس تكره هذه الطريقة لانها تبعث على التفكير وعلى البحث والدراسة, كما تستوجب المتابعة والتذكر الدائم. وآخر شيء يطلبه الانسان العربي هو ان يفكر او يبحث او يتابع او يتذكر. انه يريد ان يحصل على اجابة جاهزة, تريحة فلا يعود بعدها في حاجة الى التفكير او شحذ الذهن. وما الذي يدفعه الى ذلك, الم يقل الاقدمون بان الحق احق ان يتبع! وما دام ان الحق بالنسبة اليه واضح وجلي مثل الشمس, فما الداعي الى اعمال التفكير او اشغال الذهن في امور هي ضرب من العبث واضاعة الوقت وارهاق العافية! والحال ان ثنائية (الضد او مع) هي تعبير وامتداد لثنائيات اخرى, مثل الحق والباطل, الصواب والخطأ فاذا كنت مع رأي هذا الشخص او ذاك, فانت محق وصائب, اما اذا كنت ضد رأيه فانت مخطىء وعلى باطل. وغني عن القول ان الثنائيات المذكورة تنتمي لقاموس الفكر الاحادي والمطلق, اي الفكر الاستبدادي والقديم. اما التفكير الحديث فهو لا يعرف مثل هذه الثنائيات, او قل انه لا يؤيدها على هذا النحو الاعتباطي والمطلق. فالصحة والخطأ لا يوجدان لوحدهما معزولين في الحياة, ولذلك لا يمكن الاشارة اليهما وتحديدهما على نحو قاطع, فبجانبهما توجد دائما انصاف حقائق وانصاف اخطاء, وكل ظاهرة او حدث حياتي, لا يكشف عن نفسه كاملا في اللحظة المعينة. فثمة جوانب منه قد تظهر او تختفي تبعا لاولويات البشر ومصالحهم ومستوى تطورهم. ولذلك لا يبدو من الحكمة ان يدعي شخص ما بأن الجزء الطافي على السطح, هو الحقيقة كلها, قبل ان يرى ما يكمن تحت الاعماق. ومن الاسلم له والاحوط ان يقول: ان ما اراه قد يكون هو الحقيقة, لكنها ناقصة ولابد من الانتظار او الذهاب اعمق للتؤكد منها. لو اتبع الناس هذه الطريقة في التفكير, فلربما تجنبو الكثير من الاتهامات التي يوجهونها اليوم جزافا لغيرهم, ولتمكنوا من بناء مواقف ايجابية تقربهم من الفهم الصحيح للظواهر والاحداث التي يعايشونها. لا يعني ذلك بالطبع عدم امكانية التعرف على الصح من الخطأ, فهذا ممكن, لكن يعني انه نسبي, ومرهون بالزمان والمكان. فضلا عن انه اعقد بكثير من ان يتم تلخيصه في موقف واحد. فالصحيح هو كذلك, فقط لان الحياة والتجربة العملية قد اثبتاه في وقت ما, وليس لان فلان او علان من الناس يريده او يعتقد انه صحيح, والخطأ ايضا هو كذلك لان الحياة قد اثبتته. لكن ليس هناك من ضمان لعدم تغير قيم (الصح) او (الخطأ) اذا ظهرت معطيات جديدة تختلف او تتفق كثيرا او قليلا معهما. مشكلتنا ان هذا النمط من التفكير لا يزال ضعيفا في بلداننا العربية. ونكاد نقول انه غير مرحب به وغير محبذ. والسبب ان حياتنا الثقافية والفكرية والسياسية لا تزال مشبعة بالمطلقات والمحرمات, وتعاملنا مع قضايانا يميل دائما لحسم الامور في هذا الاتجاه او ذاك, مع ان الحياة لا تعرف مثل هذا الحسم او لا تعترف به, وهي على اية حال لم تمنحه لاحد من قبل. بل ان اسلوب الكتابة المنتشر بين العرب, قلما يعرف كلمات من نوع: ربما, اظن, لست متأكدا, على الارجح, اكاد اخمن.. الخ, وبدلا منها نرى كلمات من نوع: لا شك في ذلك, مما لا يختلف فيه اثنان, لا ريب فيه, نجزم, واضح وضوح الشمس في رابعة النهار... الخ. والمسألة ليست شكلية. فهما اسلوبان, يعكسان نمطين من التفكير والرؤية للامور, فاحدهما يرجح ويظن دون ان يدعي او يؤكد بان هذا المسألة او تلك صحيحة. بينما الثاني يجزم ويقطع دون شك بانها صحيحة او خاطئة. ونحن نتمنى لو كنا نستطيع ان نفعل مثل هذا الاخير, لكننا للاسف لا نملك ذلك.