سأحكي لكم اليوم شيئا غريبا يتعلق بهذه الزاوية التي تقرأونها اليوم, هذه الزاوية التي يفترض ان يستلمها سكرتير التحرير المسئول في وقت مبكر من المساء لاعتبارات عديدة تتعلق بالصف والتصحيح والتنفيذ وطباعة الصفحة الاولى والاخيرة و.. وامور عديدة ليس للقراء ذنب في ادخالهم في دهاليزها وتعقيداتها . فهذه الزاوية لم تكتب ـ او بمعنى ادق ـ لم استطع كتابتها البارحة حتى والساعة تقترب من العاشرة والنصف وانا في حالة قلق وتوتر, ودعاء بألا يرن جرس الهاتف مظهرا على كاشف الارقام رقم البيان 3444400, لان هذا الرقم في وقت متأخر يعني انذارا بشكل او بآخر, ومع ذلك فلم اتمكن من الكتابة الا بعد جهد جهيد كما يقولون. السبب الذي اخرني عن الكتابة ببساطة انني نسيت تماما بأنني لم اكتب, ولم اتذكر الا وانا اتناول عشائي في تمام العاشرة, وسبب النسيان هم الاطفال الذين امطروا المنزل بضحكات ومشاكسات لم استطع مقاومتها. هذا ما حدث بالفعل فلقد اخذني صوتهم ولعبهم واصرارهم على جذب يدي وثيابي في محاولة منهم لجري لعالمهم الجميل لعبا وصراخا وجريا و... ولقد اسلمت نفسي لهذا العالم, فركضت معهم وضحكت بصوت عال, ولعبت الورق الذي لا اعرف شيئا عن اصوله وقد اكتشفت ان ابنة اخي ذات الستة اعوام تعرف هذه الاصول بشكل اذهلني وعندما سألتها كيف تعلمت لعب الورق اعترفت ان (حمود) علمها, وحمود هذا طفل يماثلها في السن وهو ابن خالتها!! لقد اعطيت لنفسي فرصة الانعتاق من عالم الكبار, عالم المعادلات والحسابات والالتزامات, هذا العالم المليء حتى نهاية نخاعه بلوثات بشرية لا يمكن تخيل بشاعتها في بعض الاحيان, ولكنها موجودة وبقوة. عالم الكبار الذي تأسس وفق المعادلات شديدة التعقيد يحيل الانسان إلى خواء, خاصة اذا اسلم نفسه له, وابتعد عن ذاته وروحه, ونغمات الطفولة البريئة المختبئة في قلب كل واحد منا. ومع ان الحياة مليئة بالحق والخير والحب, الا ان الجمال نادر دائما, وقدره ان يراوح في منطقة الندرة, ولذلك فعندما جذبني الصغار اليهم ذهبت بلا تردد ولم اشعر بوجود عالم اخر غير عالمهم, بكل بساطاته وتفصيلاته الصغيرة, قلت لنفسي: هل يمكن ان ينسى المرء نفسه في عالم الطفولة البسيط؟ قلت لنفسي ماذا يمكن ان نستفيد من كل هذا التراكم المعقد الذي نغمس فيه انفسنا منذ الصباح وحتى المساء؟ قلت لنفسي كل مساءاتنا مليئة بالجهد كالصباحات المبكرة تماما, فلماذا لا نقذف انفسنا يوما في لجة الطهر وان نغتسل جيدا في عبث طفل وضجيج طفلة تعارك الدنيا لاجل قطعة حلوى؟ حتى العاشرة وانا في دنيا اخرى, وعندما أفقت على عالمنا وجدت نفسي اقلب, (وليمة لأعشاب البحر) , لحيدر حيدر, و(الناموس) لابراهيم الكوني, و(الكاتب والمنفى) لعبدالرحمن منيف, وفي الافق تلوح مكتبة تزخر بعشرات الكتب لرؤى وخيالات وتجارب كلها آتية من عوالم الكبار, ولاشيء عن عالم الطفولة الجميل.