تواجه مجتمعنا ثلاثة تحديات اساسية, هي: التعليم والتوظيف والتركيبة السكانية, ثم ان هناك تحديات اخرى مهمة مثل الاسكان, الا ان الاسكان يظل اهونها على اعتبار ان المواطن يمكن في حال توفر عمل له ان يحل مشكلة سكنه عن طريق الايجار, كما هو معمول به في اغلب دول العالم, الى حين تدبير منزل خاص, سواء بالعطاء من الحكومة او الشراء والتملك او البناء بنظام القروض . ونبقى من التحديات الثلاثة الاساسية مع التوظيف, لان التعليم والتركيبة السكانية يكادان ان يصيبا المواطنين باليأس من الشفاء منهما, اما التوظيف فمشكلة تطل برأسها من زمن ليس بعيدا, وهي تتسع وتتزايد الى درجة التهديد بخلق بطالة مواطنة حقيقية, جزء منها بدأ يتشكل فعليا, ما يعني ان ناقوس الخطر لابد من دقه, اذا كان عندنا مثل هذا الناقوس فعلا. طبعا موضوع التوظيف والبطالة يشغل بال كثيرين, خاصة المعنيين من الباحثين عن العمل من المواطنين ومن جهات الاختصاص كما من قطاع المال والاعمال, كل حسب رؤيته ومفهومه, غير ان التوظيف بات يشكل خطرا حقيقيا الى درجة ينبغي معها ان يكون على رأس أولويات العمل الرسمي للسنوات المقبلة, فيحظى بالعناية والخطط اللازمة والاجراءات النافذة, قبل ان يتفاقم, مثلما تفاقمت مشكلات اخرى, منها للاسف التعليم, بعد ان ترك حبلها على غارب الاهمال واللامبالاة والصمت. ونبهت دراسة اقتصادية رصينة مؤخراً لبنك دبي الوطني الى ابعاد هذا التحدي, عن طريق تقديم معلومات وأرقام تعود الى احصاءات عام 95, فعرفنا منها مثلا ان معدلات البطالة بين المواطنين الذكور تصل الى 6% وترتفع للاناث الى 8ر3%, مع ملاحظة ان 45% من هؤلاء للذكور و89% للاناث هم من الداخلين الجدد الى سوق العمل, اي من الخريجين الجدد, مع التأكيد على ما نعرف من تدني نسبة المواطنين في قطاع العمالة فهذه لا تتجاوز 10% في احسن الاحوال, وفي القطاع الخاص فإنها لا تتجاوز 1% فقط. طبعاً الأرقام السابقة وغيرها من حقائق تقدمها الدراسة لا قيمة فعلية لها في مجتمعات كبيرة في عدد سكانها, اما في مجتمع كمجتمعنا قليل عدد السكان فإنها تشكل خطورة فعلية, فكيف يمكن القبول ببطالة مرتفعة في مجتمع قليل السكان, وفوق هذا فإنه مجتمع يتصف بالغنى النسبي والثراء وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل القائمة التي يشغلها اجانب؟ وبما ان الأرقام تعود الى العام 95, فإن المتوقع حالياً ان تكون نسب البطالة قد ارتفعت اكثر الى حدود الخطر الفعلي, لأنه لو افترضنا ان هناك حوالي خمسة الاف مواطن يمكنهم الانضمام الى سوق العمل سنويا من خريجي جامعاتنا ومدارسنا, بينما قدرة التوظيف الحكومي سنويا لا تتجاوز الالف, فمعنى ذلك ان هناك حوالي اربعة الاف مواطن على اقل تقدير ندفعهم الى البطالة سنويا, اي حوالي 40 الفا في عشر سنوات, وهو رقم مخيف في مجتمع لا يزيد عدد مواطنيه على نصف مليون على احسن تقدير. وهكذا فالبطالة من دون حلول او معالجات وسياسات جذرية يمكن ببساطة ان تقفز من حدود 6% ـ 10% حاليا الى حدود 30% ـ 40% في غضون سنوات قليلة, وهي بطالة هيكلية في مجملها, لا تعود اسبابها الى عدم توفر فرص العمل, بل الى اختلالات في نوعية العرض مقابل نوعية الطلب, ما يتطلب حزما في المعالجة وبرامج تعليمية واضحة باعتبارها, اي البطالة, من التحديات الاساسية التي تواجه مجتمعنا في السنوات المقبلة, وهو موضوع نتمنى ان يتطرق اليه مجلسنا الوطني في دورته الحالية.