اقتحم علم النفس, كأهم العلوم التي درست السلوك الانساني, مجالات التربية والتعليم, بل كان التعليم من اهم الجوانب التي تم فيها تطبيق نظريات مهمة من نظريات علم النفس (بافلوف, سنكر, ثور ندايك, هل, جاثري, ميلر واخرين) يعتبر من العمليات التي يؤديها المؤهلون واصحاب الخبرات بمجالات الحياة المختلفة من اجل توجيه شخصي آخر في تفهم نفسه ودوره في الحياة, بعيدا عن المطبات واسناده في اتخاذ القرارات التي تتعلق بالمشكلات التي تواجهه في حياته العملية. وتعتمد سياسة الارشاد على مجالات الحياة الكلية ودراسة الجوانب التي يكون الطفل في تماس معها, ومعرفة المعوقات التي تقف حجر عثرة في طريق النمو المعرفي للطفل ورصد الانماط السلوكية التي تترك آثارها بصورة سريعة, وتحديد تلك التي تعمل على بناء انماط سلوكية غير مرغوب فيها, مع اهمية التركيز على التخطيط والمتابعة المنطقية التي تجعل الارشاد اهم وسيلة من وسائل مواجهة الضغوط النفسية التي يعترض لها الطفل في مشوار حياته الذي تنقصه الخبرة والدراية في المواجهة والبناء النفسي, ولأن موقفنا يجب ان يكون تعليميا مساندا للطفل في حل مشكلاته وتنمية المهارات الفردية وانماء تيار الوعي لديه مع التركيز على المشكلات الحاضرة التي يمكن الاحساس بمؤثراتها على محيطه. لمرحلة الطفولة تأثير كبير على شخصية الانسان وتترك بصمات تفاعلها مع الاحداث على حياته اللاحقة, بل انها تعمل على توجيه وقيادة الاتجاهات النفسية نحو اسس البناء الاولى واتباع انماطها, لذا اصبح لهذه المرحلة اهمية فيما يتلقاه الطفل في مقتبل العمر واثره على بنائه النفسي وتحديد السمات الشخصية الخاصة به, واثر ذلك على سلوكه عندما يكبر وينمو عقليا. لذا يتوجب على الآباء الوقوف مع ابنائهم والعمل على تزويدهم بالخبرات الذاتية التي تمنحهم الدعم والقوة في مواجهة المشكلات التي قد تظهر في طريقهم وتعتبر شخصية الاب والام من اهم الشخصيات المؤثرة على الاطفال وتساهم في برمجة الاتجاهات المستقبلية, وتشكل قدوة في ذات الطفل يسعى الى تمثيلها واقتباس كثير من الانماط السلوكية لها, لذا كان من المهم على الآباء والامهات العمل على الابتعاد عن كل سلبية سلوكية (قولا وفعلا) امام الاطفال لكي لا يتم تمثيلها من قبلهم لاحقا. ومن اهم اساليب التوجيه والارشاد التي يمكن الاعتماد عليها: 1ـ العمل على فتح باب التحاور مع الطفل واستطلاع آرائه في الامور التي تواجهه. 2ـ الملاحظة اليومية لمتغيرات السلوك التي يمارسها الطفل. 3ـ تهيئة الانماط السلوكية المرغوبة ودراسة مدى تقبل الطفل لها, مع مراعاة اهمية تحليل ومعرفة اي عزوف للطفل عنها احيانا. 4ـ معرفة العوامل الداخلية المؤثرة سلبا على سلوك الطفل والعمل على تحييدها. 5ـ العمل بواقعية الملاحظة والابتعاد كليا عن الظن الذي يخلق لنا صورا وهمية لا تتفق مع الارشاد. والبداية الصحيحة تؤدي الى نتائج صحيحة حتما, ولأن الاهداف التربوية التي ينشدها الابوان ترتبط بحتمية البناء النفسي للطفل وجعل الانماط السلوكية تتفق مع تلك الاهداف, فأننا نرى اهمية التوجيه والملاحقة وتلسيط الضوء على الانماط السلوكية تتفق مع تلك الاهداف, فاننا نرى اهمية التوجيه والملاحقة وتسليط الضوء على الانماط السلوكية المرفوضة لتحل محلها اخرى مقبولة. ومن الانماط السلوكية المرفوضة لتحل محلها اخرى مقبولة, ومن الانماط السلوكية المرفوضة الكذب. * ما هو الكذب وانواعه؟ ـ الكذب هو عملية مداهمة للصدق والعمل على ازاحته والتفكير بالغاء وجوده, والكذب عملية اعطاء الصور غير الحقيقية للأشياء لتبدو وكأنها حقيقة والعمل على جعل الآخرين يؤمنون بها على انها حقيقة, والكذب محاولة تغطية لفعل يتناقض مع المرئي منه. والكذب غير مقصور عند الطفل, لكن له جذور تمتد من الطفولة. اذن, الكذب سلوك لفظي يهدف الى تبرير الافعال والاقوال بما يتناسب مع غايات ودوافع الطفل ورغباته, والكذب انواع منه ما يتعلق بالداخل ومنه ما يتعلق بالخارج. والذي يتعلق بالداخل هو كل ما له علاقة بذات الطفل وحاجاته, والذي يتعلق بالخارج هو كل ما يتعلق بعلاقة الطفل والتكوينات الخارجية سواء ما له تماس مباشر به او ما هو بعيد عن الادراك الحسي, واحيانا يكذب الطفل ليبرر عدم صدق القول والفعل لديه. * لماذا يكذب الطفل؟ ـ يتعرض الطفل لملاحقة فكرية غير معلنة للمواجهة مع المستجدات في حياته ورغباته, وكلما اتسعت حلقة المواجهة وضعفت لديه قدرة تنفيذ الرغبات او كبح جماح الرغبات, آنذاك يتوجه الى ترجمة التعبير عن الحاجات (تحقيق اهداف او اخفاء افعال) الى تورية تلك الحاجات بصور اخرى يشعر بملكته الخاصة انها توفر فرصة الى جعل الاخرين يؤمنون بما اتى به من قول وفعل, وقد تضعف لديه المبررات لأي سلوك يمارسه فتراه يلجأ الى الكذب, واحيانا يعالج ضعف فرصة التعبير المقنع, فيلجأ الى الكذب بأسلوب توفرت فيه فرصة الاقناع والنجاح وعدم المتابعة في منافسة سابقة من قبل الآخرين, واحيانا يلجأ الى الكذب لأنه لا يملك وسيلة الاقناع للحصول على حاجاته واشباعها. * كيف يمكن معرفة الكذب في قول وفعل الطفل؟ ـ عندما تتعمق دراية الابوين بالطفل وتترسخ اهمية دراسة كل سلوك يصدر من الطفل, يمتلك الابوان القدرة على معرفة صدق القول والفعل من عدمه, ويمكن الربط بين الافعال والاقوال عند الطفل للوصول الى معرفة حقيقة السلوك الذي يتبعه الطفل, ولهذه القدرة التأثير المتفاعل في كشف تلك الفاعلية عند الطفل في قول الكذب. ويمكن معرفة الانماط السلوكية التي يكذب فيها الطفل من خلال التدقيق والملاحظة المستمرة للطفل ومعرفة صور العلاقات بينه وبين المحيطين به, ويمكن تدقيق الاقوال ومطابقتها مع الافعال وتسجيل المتغيرات السلوكية وتثبيت الملاحظات عليها, ومتابعة التطابق بين ما يأتي به الطفل من فعل وقول وتدقيق ذلك عن طريق المتابعة او الاستفسار دون علمه بتلك المتابعة, لأن معرفته بذلك تجعله يخلق البدائل الدفاعية وايجاد المبررات لكل تصرفاته وتترك آثارا سلبية على نفسيته لو كنا في حالة وهم وعدم تحقق من تلك التصرفات. * ما هي العوامل التي تعزز الكذب؟ ـ يتعزز الكذب عند الطفل ويصبح نمطا سلوكيا ثابتا اذا وجد ان الآخرين اقتنعوا بما قال رغم انه يكذب, فتراه يكرر القول والفعل ويختلق انماطا اخرى وينتهج نفس المنهج للوصول الى غاياته, وكذلك يمكن ان يتعزز الكذب ويأخذ انماطا اخرى اذا رفضنا الاصغاء اليه ورفضنا الدخول في مناقشة معه فيما يتعلق بحاجاته, او اذا تنافرت اتجاهات القبول والرفض عند العناصر المحيطة به, فتراه يأخذ على عاتقه التعبير بصيغ يقبلها طرف ويرفضها الطرف الاخر. ولا يقف الطفل عند حدود معينة من الكذب, بل تراه يوسع مساحة الاحداث التي يكذب بها, لأنه يرغب في لفت الانتباه اليه من اكثر من جهة كما ان كذب القدوة يشجع الطفل على تكرار هذا السلوك ويعتبره من الانماط السلوكية المقبولة. * كيف يمكن معالجة الكذب عند الطفل؟ ـ تعد هذه المهمة من المهام الصعبة التي تقع على كاهل كل اسرة وتربوي, لأنها تعني اعادة الطفل الى المسار الصحيح في علاقته مع الاخرين, كما انها توفر علينا فرصة معالجة آثار الكذب لاحقا. ويمكن معالجة الكذب عند الطفل من خلال: 1- التوجيه الديني في رفض الكذب وعدم تطابقه مع سمات المسلم الصالح على ضوء سمات الشخصيات المهمة في تاريخنا الاسلامي وتراثنا العربي واول تلك الشخصيات هي شخصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الامين. 2- استعراض الرفض لكل كذبة تمر في بيئته سواء كانت منه او من غيره مع اهمية توضيح اضرار الكذب من خلال القصص التي يشعر الطفل انها واقعية, حتى وان كانت على لسان الحيوانات ونمنحه فرصة الترميز لكل قصة. 3- العمل على عدم الكذب امام الطفل مهما كانت الصيغة, مثل ان بعض الاباء يرفضون الرد على الهاتف بعذر انه غير موجود بالبيت, ويطلب من الطفل الرد على هذا الاساس, فالطفل يشعر ان صدق القول والفعل عند والده قد انهار وتحول الى صيغ مرفوضة ومع التكرار تراه يكرر العذر دون ان يشعر ويعمم الاسلوب على اكثر من حالة. 4- الكف عن اشعار الطفل ان كل ما يقوله خاضع للشك, لأن ذلك يجعله يخشى التعبير الصحيح عن حاجاته او يلجأ الى من يصدقه فيجد فضاء آخر للكذب ويجعله يبتعد عن عائلته, وتخلق لديه حالة عزلة داخل المسكن. 5- اداء الصدق بالقول والفعل امام الطفل وتوجيهه نحو ذلك وتوضيح اهمية الصدق في نجاح وتقدم الانسان للوصول الى الغايات, وان كل الغايات الشريفة لها طريق واحد هو الصدق. 6- الثواب والعقاب, ان الاثابة اللفظية للطفل لصدقه بالقول واصدار تعبير الرضا (قولا او اشارة او نظرة) كلها تعمل على جعل الصدق نمطا سلوكيا دائما, وفي حالة تكرار الكذب نشير الى عدم الرضا كذلك (قولا او اشار او نظرة) والتي تشكل له عقوبة معلنة لا يريد ان يستقبلها لاحقا. ويبقى هاجس كل اب وام وتربوي هو معالجة كل حالة تعمل على عدم تفاعل الطفل مع العائلة والمجتمع, ولكل حالة حديث.