اصبحت الاستعانة بالعلم للتغلب على مشكلات الحياة الاجتماعية, ضرورة لايمكن الاستغناء عنها ولايمكن ان نجد لها بديلا, وما يحتم ذلك هو مستوى التعقيد والتداخل الذي بلغته مشكلات الحياة في العالم الحديث وما واكب ذلك من تقدم هائل في العلم سواء من حيث المعلومات المتجمعة فعلا من واقع هذه المشكلات او من حيث المنهج والاسلوب الذي يضيف دوما الجديد وبكفاءة منقطعة النظير تشهد بها الكشوف المتجددة والتطبيقات المتزايدة في جميع مجالات الحياة. وتعتبر مشكلة التدخين بين الطلاب والطالبات في مدارسنا وادمانها واحدة من المشكلات التي كان للعلم والهيئات العلمية والعلماء نصيب بارز في التعامل معها في كافة النواحي ذلك لانها من المشكلات الاجتماعية التي تؤثر تأثيرا بالغا على المجتمع وافراده على حد سواء, لما لها من مترتبات اقتصادية واجتماعية وصحية ونفسية شديدة. وحيث باتت تكلف كثيرا من المجتمعات اعباء اقتصادية وبشرية متزايدة سواء في مجال المكافحة او في مجال العلاج, وفي مجال التأهيل والاستيعاب الاجتماعي وخاصة اذا تجاوز الحد من التدخين ووصل الى الادمان, وكذلك في التخفيف من اثار تلك المترتبات فقد دلت الاحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية والهيئات الاخرى المختصة على ان مشكلة التدخين قد سجلت بالفعل تهديدا مباشرا ومتصاعدا لعدد غير قليل من مجتمعنا وخاصة الشباب الذين مازالوا في حظيرة المدرسة ابتداء من سن التاسعة وحتى السابعة عشرة, واسهمت تلك المشكلة ومازالت تعرقل جهود التنمية, وحدت من عوامل النمو في مختلف الجوانب. وتعتبر دولة الامارات العربية المتحدة جزءا لايتجزأ من هذا العالم تتأثر به وتتفاعل معه, ولهذا لم تسلم من ظاهرة المواد المخدرة وفي مقدمتها ظاهرة التدخين والمواد الاخرى المخدرة وبالاخص في المدارس وتأتي ظاهرة التدخين في سلم الاولويات لدى طلاب المدارس في وقتنا الحالي, وكذلك تتميز دولتنا بعدد من الخصائص التي من خلالها يفرض عليها ان تكون محط انظار الكثير من الدول وذلك لموقعها الجغرافي ومساحتها الشاسعة وحدودها البرية والبحرية المترامية الاطراف والمشتركة مع عدد من الدول الخليجية والآسيوية, كما ان بها التجارة الحرة المفتوحة والتي تستقبل المئات من الناقلات التجارية العملاقة, يضاف الى ذلك كونها دولة مفتوحة, للعديد من الجنسيات التي تقدم اليها للعمل, مع قربها من اماكن انتاج المواد المخدرة وبالاخص المناطق الساحلية المفتوحة كل تلك العوامل جعلت منها احدى الدول المستهدفة وهذا الاستهداف وصل الى مدارسنا منذ بداية التعليم في الدولة. مسئولية تربوية يتفق الجميع ان الحياة المعاصرة تتصف بالتعقيد والتداخل والقلق والاضراب بين كثير من المسئوليات والحقوق الخاصة بالافراد, مما يجعل عددا منهم يعجز عن الوفاء بكثير من المسئوليات والواجبات وعن تجاوز الازمات والمشكلات التي تواجهه, لذا يحاول احالتها الى الآخرين ممن يتوقع ان يعينوه في حلها وتجاوزها. والمتتبع لحالة مدارسنا منذ بداية التعليم في الدولة (اي منذ بداية القرن العشرين ان جاز التعبير ونحن الآن في بداية القرن الواحد والعشرين), سيلاحظ ظاهرة التدخين وكأنها جزء من المنهج الدراسي ولكن لاتطبق في الفصل الدراسي (غرفة الفصل), بل في اماكن يتم اختيارها بناء على رغبة الطلاب دون وضع اي اعتبار للوائح والقوانين, وكأنهم اتخذوا هذه الظاهرة كنمط من انماط حياتهم العادية اليومية, واذا كان في الواقع هذا ما يحدث في الحقل المدرسي, فالذي يرصد ما يحدث بعد الانتهاء من الدوام المدرسي اشد واعظم. وقد تبين لي من خلال مشاهدة هذه الظاهرة انه ليس من المنطلق والعقلانية ان نلقي اللوم على اجهزة الامن وحدها لمواجهة هذه الظاهرة ويبدو ان ثمة جانبا آخر للمشكلة يخرج عن نطاق هذه الاجهزة الامنية التي لابد ان تراقب وترشد نحو الطريق السليم, وهو جانب تتحمله كل انظمة المجتمع ومؤسساته وتأتي (وزارة التربية والتعليم والشباب) في مقدمتها ذلك لان الاعتماد المطلق على قانون الردع والعقاب حتى الآن لم يحل المشكلة او يخفف من حدتها وخاصة فيما يتعلق بطالبات المدارس التي لايستطيع احد ان يكشف عنها بسهولة. وتنفيذ القانون بغير عمل تربوي مصاحب لم يجد نفعا في مواجهة هذه الظاهرة, فالطالب المدخن او المتعاطي لمواد اخرى, قبل ان يكون مذنبا يلاحقه احيانا القانون اذا شاهده يتسكع في الشوارع, فهو ضحية ظروف تربوية سيئة, كما انه ضحية تنشئة اجتماعية خاطئة, لم تشعره بأهمية القيم الاجتماعية, فخالفها ربما لجهله بأهميتها او لعدم ادراك صحيح لأهدافها وغايتها. وتبين من دراسة عن المخدرات والتدخين وظاهرة استنشاق الغازات والدخان المصاحب في دولة الامارات ان غالبيتهم من صغار السن وان المتوسط العمري لهم لا يتجاوز 16 سنة, اذن ا فهم من الاعمار التي مازالت ضمن نطاق المدرسة. ومن المؤسف حقا ان انتشار الادمان على جميع المواد يكثر يوما بعد يوم بين الشباب والمراهقين. وحينما سألنا بعض المختصين في دور رعاية الاحداث والتأهيل وبعض المسئولين في القانون النيابي والشرطي, اجابوا بالاجماع ان عددا كبيرا من المراهقين يبدأ بتدخين السيجارة في سن التاسعة, وان عددا آخر يصل الى شرب الخمر كخطوة ثانية فور بلوغه فيسيولوجيا, وان عددا آخر يصل الى مرحلة الادمان كالمخدرات وغيرها في سن الشباب. الى متى سيستمر هذا الوضع في مدارسنا؟ والجميع يعلم القرارات السياسية في ايدينا؟ وتتمة للأسئلة التي نود ان نطرحها: من المسئول في المدارس سواء في التوعية او الكشف عن الحالات تحت الاكلينيكية والجماعات المعرضة, وتخطيط وتنفيذ البرامج الوقائية؟ الاجابة بصراحة في وقتنا الحالي المسئولون هم الاخصائيون الاجتماعيون ويمكن ان ندرجهم في الواقع تحت مسمى الدور الممكن, ولكن في الواقع الدور الفعلي يندرج تحت مسمى المرشدين الطلابيين, واعتقد هذا المسمى غير موجود في مدارسنا بشكل عام. فالصياغة التي نبحث عنها في دراستنا هذه ونتمنى ان تكون موجودة في بداية هذا القرن هي الارشاد الطلابي (للجنسين). واذا كان هناك ـ في الواقع ـ تفاوت بين الدور الممكن, والدور الفعلي في الوقاية من ظاهرة التدخين, فان من الواجب التعرف على ابعاد دور المرشدين الطلابيين وحقيقته, في المقابل رصد المتغيرات التي تحد من تحقيق هذا الدور بالنسبة للاخصائيين الاجتماعيين والصعوبات التي تواجههم, والمتغيرات والوسائل المطلوبة لتحسين دورهم وتطويره اذا لم يتوفر المرشدون الطلابيون وذلك هو ما تحاول هذه الدراسة الكشف عنه, ثم وضع الحلول المناسبة للحد من مشكلة التدخين في المدارس للجنسين الذكور والاناث. وقبل ان نتطرق للحديث عن الارشاد الطلابي لابد ان نلقي الضوء على دور الاخصائيين الاجتماعيين حتى يتسنى لنا فهم الخدمات التي يقدمونها للطلاب, سواء ارشاد وقائي او تربوي او مهني او اجتماعي او أخلاقي, ومن ثم تتضح الرؤية التي نريد ان نصل اليها, الا وهي وجود المرشدين الطلابيين الذين نبحث عنهم في التخلص والحد نسبيا من ظاهرة التدخين كونهم حجر الزاوية في الوقاية من تلك الظاهرة. ومن بين المهام التي يقوم بها الاخصائيون الاجتماعيون: 1 ـ توجيه الطالب وارشاده نفسيا واجتماعيا وتربويا واخلاقيا كي يصبح عضوا نافعا بالمجتمع. 2ـ متابعة واكتشاف مواهب وقدرات وميول الطلاب, والعمل على توجيه هذه المواهب الى الجوانب الايجابية النافعة. 3 ـ مساعدة الطلاب بقدر المستطاع للاستفادة القصوى من أهداف وبرامج التربية والتعليم. 4 ـ العمل على توثيق الروابط والتعاون بين البيت والمدرسة لكي يصبح كل منهما مكملا للآخر وامتدادا له. 5 ـ اجراء البحوث والدراسات بأنواعها حول المشكلات التي يواجهها او قد يواجهها الطلاب اثناء الدراسة. الارشاد الطلابي على ضوء هذه المعطيات, يجب الا يتوقف بنا الأمر عند هذا الحد, فثمة ملاحظات وبدائل جوهرية يجب الا تغيب عن بالنا, ولابد ان تكون البديل للاخصائيين الاجتماعيين او مساعدتهم في مهامهم, والجميع ربما يتساءل ما هو البديل؟ ونحن تعودنا على الاخصائيين منذ بداية تعليمنا؟ من اجل شعار المصلحة للجميع لابد من وجود المرشدين الطلابيين. فما المقصود بالارشاد الطلابي؟ وماهي اهدافه؟ يعتبر التوجيه والارشاد الطلابي جانبا من اطار اوسع واشمل هو التوجيه والارشاد النفسي, والارشاد النفسي كما يعرفه (جود) انه تلك المعاونة القائمة على اساس فردي وشخصي فيما يتعلق بالمشكلات الشخصية والتعليمية, والمهنية, والتي تدرس فيها جميع الحقائق المتعلقة بهذه المشكلات, ويبحث عن حلول لها, وذلك بمساعدة المتخصصين وبالاستفادة من امكانيات الدراسة والمجتمع, ومن خلال المقابلات الارشادية التي يتعلم المسترشد فيها ان يتخذ قراراته الشخصية. اما الارشاد الطلابي فهو تلك العملية البناءة التي تهدف الى مساعدة الطالب لكي يفهم ذاته, ويحدد مشكلاته, وينمي امكانياته ويحل مشكلاته في ضوء معرفته ورغبته وتعليمه وتدريبه, وفي اطار التعاليم الاسلامية السمحة لكي يصل الى تحقيق اهدافه وتحقيق التوافق شخصيا وتربويا ومهنيا واسريا واجتماعيا, وبالتالي يساهم في تحقيق الاهداف العاملة للعملية التعليمية. ومن الملاحظ ان التعريف الذي اسلفنا ذكره هو اعادة صياغة لتعريف الاخصائي الاجتماعي ويدور في فلكه, والذي يتناسب مع طبيعة المجال التطبيقي احيانا للارشاد التربوي والنفسي في المدرسة, مما يؤكد ان الارشاد الطلابي ليس شيئا مختلفا ومستقلا بقدر ما هو مجال من مجالات الخدمة الاجتماعية التي يطبق فيها الارشاد. ولكن ما الدور الحقيقي الذي لابد ان يؤديه المرشدون الطلابيون في المدارس؟ في تصوري جوهر المشكلة هو التدخين والمواد المخدرة الاخرى. اما الخطر الحقيقي لهذه المشكلة فلها عدة اسباب, منها ضعف الوازع الديني ورفاق السوء واغراق الولد بالمال وتفضيل المال على الاولاد واوقات الفراغ وسفر الشباب الى الخارج وغيرها.. اما المدخل الحقيقي لوجود المرشدين الطلابيين فهو الوقاية, حتى يكون مدخلا مقبولا وواقعيا للتخلص من هذه المشكلة. فما المقصود بالوقاية؟ وأي نوع من الوقاية يحتاجها طلاب مدارسنا؟ تعرف الوقاية بأنها أي عمل مخطط نقوم به تحسبا لظهور مشكلة معينة او لظهور مضاعفات لمشكلة قائمة بالفعل, ويكون الهدف من هذا العمل هو الاعاقة الكاملة او الجزئية لظهور المشكلة او المضاعفات او كليهما. وتصنف منشورات الامم المتحدة والصحة العالمية الوقاية في ثلاث فئات هي: 1ـ الوقاية من الدرجة الاولى primary prevention أي تعديل الظروف في المؤسسات الاجتماعية لتقليل الاصابات النفسية الى ادنى حد ممكن. 2 ـ الوقاية من الدرجة الثانية secondar yprevention ويقصد بها التدخل العلاجي المبكر. 3 ـ الوقاية من الدرجة الثالثة tertiary prevention وهي مرادف للعلاج ويركز فيها على التقليل من المترتبات طويلة المدى للاضطرابات. اما النوع الذي نحتاجه في مدارسنا للوقاية من ظاهرة التدخين, ففي اعتقادي ان جميع هذه الانواع نحتاجها وتعتبر جزءا لا يتجزأ من حل المشكلة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما أوصاف الطلاب المدخنين الذين يحتاجون للوقاية؟ الاجابة.. هي: 1 ـ تغير في الحضور والانتظام, كالتأخير الصباحي والهروب نصف اليوم الدراسي والتغيب عن المدرسة بشكل متكرر. 2 ـ تغير في القدرات العامة, العقلية والجسدية, ويظهر ذلك في مستؤى تحصيل الطالب, واتقان واجباته المدرسية, ودرجاته في الاختبارات, وهربه من دروس التربية الرياضية والتربية العسكرية, لأنها تتطلب طاقة جسدية مضاعفة لا توجد عنده. 3 ـ المظهر الجسدي السيىء, وعدم الاهتمام بالملابس والنظافة. 4 ـ المشاجرة الدائمة من جانب البنت مع والدتها بسبب القلق والاضطراب, لحاجتها الى التدخين. 5 ـ لبس النظارات الشمسية (من الجنسين) لاخفاء العيون المنهكة من السهر والأرق! 6 ـ الارتباط الشديد مع مجموعة من الاشرار, وهم زملاؤه في ظاهرة التدخين. 7 ـ سرقة بعض المواد الصغيرة لبيعها, لأنهم بحاجة الى المال لتأمين علبة السجائر!