لاشك ان استقالة الرئيس الروسي بوريس يتلسين جاءت مفاجئة حتى لا قرب المقربين من دائرة الكرملين, وبقدر ما كانت مفاجئة بقدر ما اشرت الى جملة الازمات الحادة والمستعصية التي تعيشها الحكومة الروسية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق, على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية وليس من قبيل المصادفة اننا نشهد احدى الفصول الدراماتيكية الروسية على اعلى مستوى في روسيا, خاصة وان حل المشكلات الاقتصادية باتت عصية على الحل, بعد ان عجزت حكومات الرئيس الروسي بوريس يلتسين المتعاقبة, على ديمومة ترحيل العديد من الازمات المستفحلة بالقذف بها الى عالم المجهول, الا ان البعض الاخر من هذه الازمات بقيت ماثلة تقض مضجع رجالات الكرملين ولفيفهم لانها استعصت على الترحيل اوالحل او حتى التحايل, وقد بدأت هذه الازمات تطفو على السطح بشكل مكشوف وواضح, لدرجة وصل الامر معها ان روسيا باتت, تعيش اسوأ ايامها, وبالتحديد بعد ان اعلنت نتائج الانتخابات الاخيرة التي عول عليها الرئيس يلتسين وتحالفه السياسي المرضي عنه غريبا حتى ان الحرب بالشيشان المصطنعة والتي كانت تهدف الى لفت الانظار باتجاه وحدة روسيا والحفاظ على وحدة الاتحاد الروسي قد شكلت هي الاخرى عقبة اضافية في وجه قادة الكرملين وان ثمة حقائق على الارض بانت ملامحها تتضح اكثر ازاء هذه القضية الصراعية المكلفة جدا للمؤسسة السياسية والعسكرية الروسية, والتي باستمرارها باتت تشكل خطرا على القائم بأعمال الرئيس فلاديمير بوتين, وعلى ما يبدو ان هذه العملية التي حاول بوتين التسلل من خلالها الى اعلى قمة الهرم السياسي في روسيا, ستكون بحد ذاتها انقلاب السحر على الساحر, خاصة بعد ان بدأت تأخذ الحرب الدائرة مناحي اخرى في ساحات القتال, والتي بدأت تتحول بشكل فعلي الى حرب عصابات يصعب على الجيش النظامي حسم نتائجها بسهولة, وان هذه الحرب الدائرة لم تذكر بالحرب الشيشانية الاولى وحسب, بل بدأت تذكر كبار قيادة الجيش الروسي بحرب افغانستان التي كلفت الجيش الروسي هيبته, والتي كانت احدى العوامل الهامة في انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه. ولعل التغيير قد يفيد يلتسين اكثر بكثير مما سيفيد بوتين, فيلتسين قد أمن لنفسه الهروب بمليارات الدولارات دون التعرض الى اية محاكمة, او دفع الاستحقاقات التي كان ينتظرها بعد نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة وحفظ لعائلته كل ما كان يسعى من اجله اما الشاب الحالم بوتين فسيواجه جملة من الصعوبات التي تعتبر عصية على الحل والتي خلفها له الرئيس يلتسين في غفلة من امره, وان طموحه في السلطة بالانتخابات المقبلة والتي سيواجه فيه اعتى ساسة الروس المخضرمين الذين ورثوا تجربة سياسية من العصر البائد, لن يكون بالأمر السهل كما يتوقع المقربين له في الكرملين, على الرغم مما يشاع بأن بوتين يعتبر صاحب الحظ الأوفر في الانتخابات الرئاسية التي ستقام في 26 مارس المقبل بهمة عشرين شخصية روسية من بينها سياسيون بارزون وفنانون كبار شكلت مجموعة الدعم اللازمة لقبول تسجيل بوتين كمرشح في الانتخابات الرئاسية. ولعلي أعتقد جازما ان بوتين لن يكون أوفر حظا من سيده يلتسين, واذا كان حضوره السياسي هذه الايام يحمل بريقا ولمعانا بسبب الحرب القذرة الدائرة في الشيشان, التي تقاد تحت عنوان وحدة روسيا, وبعض الشعارات الرنانة, فن يجد بعد انتهاء الحرب ورقة توت يستظل بها, او ما يقدمه لاؤلئك الحالمين بعودة روسيا الى ما كانت عليه قبل الانهيار ان كان لجهة الداخل المتآكل, او الخارج الضاغط على كل ما يخططون له. وان الثقة الكبيرة التي تدفعه من خلال تجميع ضباط المخابرات السابقين أيام الاتحاد السوفييتي, بترقيات البعض منهم واعادته الى المخابرات الروسية, امثال سيرجي ستيباشين وغيره, لا تكفي مطلقا الرئيس الشاب اذا ما نجح في الانتخابات المقبلة على حل المشكلات المستعصية كما اوردنا, ولن تنهي الاضطرابات التي يعيشها المجتمع الروسي. وسيعود هو الآخر الى الحظوظ العاثرة التي عاشها يلتسين من قبله, والى حالة عدم الاستقرار السياسي, التي ستشهد بالضرورة هي الاخرى حالة من تبديل الحكومات الروسية التي ستأخذ ملامح الانقلابات التعسفية المرتجلة كما في السابق والتي لن تجلب معها سوى خيبات الأمل المتكررة, فبدلا من ان يظهر الشاب الحالم بمظهر القادر على اثبات حضوره السياسي وادارة الازمات ورسم الخارطة الحزبية بما يخدم توجهاته السياسية, سيجد في العديد من الشخصيات السياسية والحزبية وتحالفاتهم البينية أنداد أقوياء. وحتى اذا ما انتصر في الانتخابات جدلا سيبقى الطرف الآخر أي بكتلة, الشيوعيين والقوميين ورئيس الوزراء المقال يفجيني بريماكوف والذي يحظى بشعبية قوية على المستوى الشعبي والساسي الحزبي, (كونه يشكل الحل الوسط لكل التيارات السياسية المتنافسة حينا والمتصارعة احيانا اخرى), ومحافظ موسكو لوجكوف الذي لا يقل أهمية بنظر الروس عن الأول شعبية أندادا اقوياء لكل ما يرسم له على المستوى السياسي الداخلي, ولن يكون قادرا على الاستفراد بالسلطة المضطربة أصلا. ولن يقوى على حل جملة الازمات, حتى لو فكر من جديد في احضار المؤسسة الأمنية الروسية واعطائها صلاحيات اضافية بالتدخل بالشأن الروسي الداخلي, لأنها هي الاخرى لا تمتلك آليات لوضع الحلول المرضية للمجتمع الروسي المنهار على أكثر من صعيد, وانها ستشكل من خلال الرجالات الاقوياء فيها أندادا له والذين لا يقلون شأنا في أحلامهم عن بوتين نفسه. بل اكثر من ذلك سيزيد في هذا التصرف, الطين بلة, كما يقال في المثل الشعبي, خاصة وان هذه العملية ستكلف الميزانية الروسية المنهارة أصلا اعباء اضافية لم تكن في الحسبان. ناهيك على أن الخارج وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لن تدع له الفرصة الكافية ليعيد ما حاول معلمه الأساسي أندروبوف بشكل بوليسي والذي قتل خلف مكتبه, دون ان تعرف أداة الجريمة التي قتل بها, وان ما تشكل من مؤسسات مالية, ومن عصابات المافيا السياسية والاقتصادية, تحتاج الى ثورة أشبه ما تكون بالثورة الشيوعية, التي قامت عام ,1917 على المستوى الداخلي. وعلى الأغلب التاريخ لا يعيد نفسه مرتين, واذا ما أعاد نفسه ثانية فسيكون على شكل مهزلة, وقد لا تكفي الاحلام سيفيق الشاب الحالم من أحلامه على كوابيس مزعجة قد تفتح الحروب من جديد داخل الاتحاد الروسي بأكمله بأشكال ومسميات عدة أهمها لقمة العيش وثورة القوميات.