اكتشف الناس أثناء العشرية الأخيرة من القرن العشرين انهم يعيشون عصرا جديدا, لقبوه بعصر الاتصالات وأحيانا بعصر المعلومات بعد عصر القرية الكونية, وعندما أفاقوا على ثورة عارمة أحدثتها شبكات الكمبيوتر, بعد ان مهدت لها الفضائيات والهواتف الجوالة والبث المباشر, ومع هذا العصر أصبح الاعلام ـ أو الاتصال ترجمة المصطلح الانجليزي Communication هو سيد الموقف وربما أساس العلوم الأخرى جميعا, وهذا ليس من قبيل والمبالغة, لأن رجل الاقتصاد والطبيب والمهندس والمحامي ورئيس المؤسسة والمستثمر ومدير مكتب الطيران والدبلوماسي والمربي والكاتب الصحفي أصبحوا مطالبين بأن يجيدوا استعمال أداة الاتصال والاعلام الأولى أي الكمبيوتر وتوظيف شبكة الانترنت والسباحة في المواقع التي تهمهم أي أصبحوا مضطرين إلى ان يكونوا أعضاء كاملي الواجبات والحقوق في مجتمع الاتصال.. وإلا فهم يتخلفون حين يتقدم الآخرون ويجهلون حين يعلم الآخرون ويخسرون حين يكسب الآخرون ويتفرجون حين يشارك الآخرون, هذه هي القضية وهي ليست ثانوية ولا تفصيلية بل تتعلق إما بإثبات حضورنا داخل دائرة الحضارة أو إلغائنا من أجندة المستقبل ووضعنا على رف العالم. ولم أتعجب شخصيا حين طالعت تقرير منظمة اليونسكو الجديد حول التعليم العالي واشارته إلى ان كوادر الاتصال والكمبيوتر أصبحوا من أندر التخصصات وأرفعها شأنا في كل المجالات, ولكني تساءلت عن حال تدريس الاعلام في جامعاتنا العربية, وكيف لم يواكب التطور السريع مما يحدث خللا مستديما في تركيبة الجامعات وبالتالي في تركيبة المجتمعات ـ وأقصد التركيبة المعرفية والعلمية, ولذلك أيضا أشعر بسعادة حين أرى قسم الاعلام في جامعة قطر واقسام الاعلام في جامعات الامارات العربية المتحدة تسابق الزمن وتدخل العصر بأدوات العصر وتعيد النظر في مناهجها لتصنع اجيالا اعلامية واتصالية قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الاتصالية بروح المبادرة. فقد ظلت أقسام الاعلام لسنوات عديدة تخرج الصحفي بالمفهوم التقليدي, كأنما نؤهل خريجينا للانخراط في مجلة الرسالة للمرحوم أحمد حسن الزيات بينما العالم يجري ويحث الخطى نحو شبكات الويب التي أصبحت الجهاز العصبي للحضارة, وكانت وربما لا تزال مقررات الاعلام لدينامي تاريخ الصحافة والنحو والصرف والعروض والبلاغة وتحرير المقالة وتصميم صفحات الجرائد في عالم تغير وتغيرت معاييره وتحولت اهتماماته وتراكمت معلوماته, ولا يعرف خريج أقسامنا الاعلامية شيئا عن تصميم برامج الكمبيوتر ولا عن قانون (الملتي ميديا) ولا عن دور الاتصال في التنمية ولا عن تنظيم الحملات الاعلامية الالكترونية ولا عن انشاء قناة فضائية, وفي كثير من الأحيان لايعرف التعامل بلغة العصر أحببنا أم كرهنا التي هي الانجليزية العالمية و لا يعلم شيئا عن كتب بيل جيتس التي ثورت دنيا الاتصالات, فيخرج إلى المجتمع غير مسلح للعمل في الاعلام الحديث, لأنه يكتشف انه يجيد صياغة الخبر ـ نعم ـ ولكن لا يجيد لا تسويقه ولا جلب المعلومات حوله, وما أكثر خريجينا الذين باشروا بعد الحصول على بكالوريوس الاعلام, أعمالا أخرى لا تمت للاعلام بأية صلة. وقد زرت بعض الجامعات في فرنسا أثناء هذا الخريف منها (السوربون) وفنسان وأطلعت على مناهج التدريس فيها فوجدت انها متقدمة علينا بسنوات بل بأجيال, ولذلك أسعد حين أرى عزم المسئولين في جامعة قطر وجامعات الامارات على مواكبة العصر في هذا المجال بالذات لأنه المجال الحيوي الطلائعي الذي يفتح أبواب العولمة الحقيقية أمامنا ويضع أقدام أجيالنا على دروب الاتصال السريعة والدخول الفعلي لا النظري للقرن الحادي والعشرين. أنا متأكد من ان أقسام الاعلام والاتصال بجامعات قطر ودولة الامارات ستكون رائدة وتستحق ريادتها لأنها شرعت في استباق التحولات الكبرى الطارئة على العصر الراهن وتخريج ـ لا صحفيين بالمعنى التقليدي يجيدون التحرير ـ بل خبراء في تقنيات التكنولوجيا الاتصالية المتشعبة وعارفين بالعلاقات العامة وواعين بدور الاتصال في خدمة التنمية والبيئة والتربية والعلوم وحوار الثقافات, أي تخريج جيل من العاملين في حقول واعدة كالاعلام والفضائيات والدبلوماسية وتمثيل المؤسسات الكبرى خارج حدود الوطن, بزاد علمي حي ومتطور وذكي ومنغرس في مشاغل المستقبل, كان الله في عون مديري هذه الجامعات السباقة وعمداء كلياتها للعلوم الانسانية ورؤساء أقسام الاعلام فيها وأعضاء هيئاتها التدريسية وطلابها وطالباتها وهم يراهنون على المستقبل.