أقدار روسيا المعاصرة ومصائرها تتحكم بها وثيقة هامة ونكتة ذائعة وطريفة, ألمحنا في حديث سبق إلى الوثيقة التي تقع في 21 صفحة وتحمل عنوانا يقول: (مفهوم الأمن القومي) وقد صدرت مع مطلع العام الجديد والألفية الجديدة أي في غمار المحاولات المستميتة والأخيرة من أجل إعادة روسيا على خريطة التأثير ومواقع النفوذ السياسي والعسكري في العالم, هذه الوثيقة الهامة يصفها ديفيد هوفمان مراسل الواشنطن بوست في موسكو قائلا: إنها تعكس شعورا متزايدا بالقلق المتوجس والهواجس المتنامية إزاء نوايا الغرب (الأوروبي الأمريكي) وهذه المشاعر باتت تسود حاليا المؤسسة العسكرية والسياسة في موسكو, وقد زاد وطأتها, يضيف الصحفي الأمريكي, ما شنته المحالفة الأطلسية الغربية في إطار حلف الناتو بقيادة أمريكا من غارات على صربيا خلال أزمة كوسوفو الشهيرة, فضلا عن أزمة الشيشان المحتدمة حاليا (وقد ألقت فيها روسيا بكل ما تحوزه من ترسانة الأسلحة التقليدية في عملية مقامرة سياسية وعسكرية لم يكن يسبق لها مثيل), إضافة إلى الخلافات التي مازالت حلولها معلقة بين موسكو وواشنطن بشأن قضايا نزع السلاح وتحجيم ترسانات ومخزونات الأسلحة النووية على وجه الخصوص. وثيقة جديدة قديمة وثيقة الأمن القومي ليست جديدة تماما على مسرح السياسة في روسيا, إنها في التحليل الأخير عبارة عن صكتمت مراجعته وتحويره استنادا إلى وثيقة أخرى سبق صدورها في نفس الموضوع عام 1997 وقتها لجأ الكرملين إلى استخدام عبارات ملفوقة وصياغات أقرب إلى الغموض حين تطرق إلى احتمالات ودواعي استخدام الأسلحة النووية وحدد أهم هذه المبررات في العبارات التالية: انها حالة وقوع تهديد لوجود الاتحاد الروسي بوصفه دولة ذات سيادة. والحاصل أن الصياغة الملفوفة الغامضة أفسحت المجال في الوثيقة الأحدث الصادرة مع بداية العام الحالي لكي تسوق المؤسسة العسكرية السياسة الروسية دواعي ومبررات استخدام السلاح النووي على وجه أحدث و أوضح يقول: عندما تدعو الحاجة إلى ردع عدوان مسلح ويكون قد تم استنفاد جميع الوسائل الأخرى محل الأزمة أو عندما يثبت أن تلك الوسائل قد أصبحت عقيمة ولا جدوى منها. وفيما تحمل الوثيقة الأولى توقيع بوريس يلتسين رئيس روسيا وقتذاك وجاءت وقتها كي تعكس نوعين من الأجهاد الشخصي للرئيس المذكور والقومي للبلد بأسره, فأن الوثيقة الأحدث والأخطر حملت توقيع فلاديمير بوتين القائم حاليا بعمل الرئيس والمتطلع مستقبلا إلى منصب الرئيس, وهو الذي أشرف كما يقول المراقبون للشأن الروسي على صياغة الوثيقة الجديدة في إطار مجلس الأمن القومي في الكرملين كي تصدر وقد حملت ما تحمله بالفعل من طابع المجابهة ونبرات التحدي والتحفز للتلويح بالسيوف النووية التي مازالت تحفل بها الجعبة الروسية منذ أيام الاتحاد السوفييتي الذي كان. بين الاطمئنان والقلق أكثر من هذا, كانت الوثيقة القديمة تعكس نبرة اطمئنان أو طمأنة حين ذكرت أن ليس هناك خطر خارجي يهدد كيان روسيا وربما كانت تلك أيام الوعود الخلابة التي كانت تسوقها إدارات يلتسين المتعاقبة بإن ثمة بلسما لكل جراحات روسيا أسمه (الخصخصة) واقتصاديات السوق, ولكن ها هي الوثيقة الجديدة تغير النبرة حين تقول: أن الأخطار المحتدمة بالمجال العسكري (التي تهدد روسيا) اصبحت في حال من الازدياد والاضطراد من حيث حجمها ونطاقها, ذلك لأن لجوء حلف النات و(الإشارة هنا إلى تجربة كوسوفو) إلى استخدام القوة خارج حدود التحالف المذكور, وبغير إذن أو تحويل من جانب الأمم المتحدة هو أمر مشحون بخطر زعزعة الاستقرار الذي يتهدد الوضع الاستراتيجي العالمي بأسره. من ناحية أخرى يشير إلكسندر بيكاييف وهو محلل سياسي (روسي الأصل كما يظهر من اسمه) ويعمل حاليا لدى مؤسسة كارنيمبي الأمريكية لبحوث السلم العالمي يشير إلى أن حرب الشيشان المحتدمة حاليا مهما جاءت نتيجتها لصالح الآلة الحربية الروسية حربا ضد مقاتلين بسطاء وجسورين أيضا , لا تقصد إلى مجرد كسب معركة في شيشينا البلد المقاتل من أجل استقلا له وكرامته وتقرير مصيره, بقدر ما أن يراد منها كسب وجود النظام الروسي بأكلمه لصالح بوتين وسائر أفراد الجوقة لا نقول العصبة التي كانت تتحلق حول يلتسين وابنته وأصدقائها وجمعية المنتفعين من ورائها, وهو مكسب تئول محصلته في التحليل الأخير أيضا لصالح أمريكا مهما كان الخلاف معها, لا يوصف أمريكا الدولة الخصم نوويا لروسيا, ولكن بالدرجة الأولى باعتبار أمريكا زعيمة الرأسمالية في العالم ومصلحتها استكمال أسباب النصر التاريخي اقتصاديا وسياسيا الذي أحرزته قوى الرأسمالية ودعوتها ونظرياتها وأيديولوجيتها على قوى الشيوعية والاشتراكية. ومرة أخرى فإن أمريكا لا تقف فقط عند قرع طبول هذا النصر (حكاية قرع الطبول الجوفاء لا تسمع سوى في العالم الثالث التعيس فقط) , تأمل مثلا وللأسف احتفالات القيادة الحاكمة في العراق حاليا بانتصاراتها في أم المعارك, أن أمريكا يعنيها أساسا إدامة هيمنتها الاقتصادية والسياسية على أقدار عالم القرن الحادي والعشرين وإنفرادها بتلك المقادير والمقاليد لصالح أمنها القومي أولا ولصالح رخاء شعبها وخاصة القوى المتقدة الفاعلة فيه ثانيا , ولصالح تأمين احتياجاتها في المستقبل والزود عما قد يخبئه هذا المستقبل من أخطار تهدد المجتمع الأمريكي سواء من حيث زيادة عدد الكهول والمسنين بصورة غير متناسبة مع حجم القوى الفاعلة العاملة من الشباب والأحدث سنا (وتلك أخطار حذر منها بالذات خبير الاقتصاد المعروف البروفيسور (ثرو) في كتابه الصادر منذ سنتين بعنوان مستقبل الرأسمالية), أو سواء زاد الخلل الديمغرافي المرصود في مجتمع الولايات المتحدة وتتمثل ارهاصات وجوانب هذا الخلل في عوامل شتى يحسب لها الأمريكيون وقد عايشناهم في بلادهم سنوات طوالا فيما هو متوقع خلال الربع الأول من القرن الحالي من زيادة عدد المهاجرين ومن ثم تفاقم تأثيرهم في مجريات السياسة الأمريكية وعلى رأسهم مهاجرو أمريكا اللاتينية وخاصة من الجارة المتاخمة المكسيك ومن لف لفهم من طوائف الهسبان (ذوي الثقافة الأسبانية الأثنين من مناطق الكاريبي وأمركيا الجنوبية). يضاف إلى هذا أيضا اتساع نطاق الإسلام وعدد السلمين سواء من السود الأمريكيين أنفسهم أو بين الوافدين المسلمين الذين ما برحوا ينضمون بالهجرة إلى أفواج العاملين في الولايات المتحدة و منهم من يشغلون مواقع مؤثرة بفعل مخططات هجرة أو استقدام الكفاءات التي يطلق عليها حرفيا تعبير (استنزاف الأدمغة) أو (نزوح العقول) . أمريكا وفوز بوتين وعليه, فمن مصلحة أمريكا أن يفوز بوتين وهو صنيعة يلتسين في الأساس في انتخابات الرئاسة في الصيف القادم وكلاهما يلتسين ومن ثم بوتين مقاولان توليا عملية هدم و إزالة البناء السوفييتي السابق مما أتاح لأمريكا أن تعلن انتصار الرأسمالية من ناحية وأن تنقل الأمور مثل لاعب شطرنج ماهر إلى دعوة العولمة وهي دعوة ظاهرة تدفئة وتقوية أواصر التواصل ووشائج التبادل والمنافع بين كل أقطار العالم وباطنها إدامة النفوذ الأمريكي وتكريس تفوق الغرب التكنولوجي ولو على حساب تآكل الثقافات الوطنية الأصلية لسائر الأمم والشعوب.. تأمل أيضا أرجوك مغزى مظاهرات سياتل ثم دافوس الأخيرة التي كانت بمثابة صرخات احتجاج عن إدراك القوى الواعية والنخب الفاهمة في عالمنا لتلك الجوانب السلبية المقيتة للعولمة. وإذا كان الاستعمار, كما قال لينين وبحق, أعلى من أجل الامبريالية وإذا كانت الإمبريالية هي في الجوهر والأساس نزعة التسلط على الشعوب ومصائرها واستغلال مواردها والتحكم في منتوجاتها وأسواقها, فإن العولمة بهذا الجانب السلبي هي أعلى مراحل الرغبة في الهيمنة بل هي أخبث درجات الإمبريالية التي كانت تكتفي في ظل الامبراطوريات الاستعمارية القديمة على اصقاع وشعوب في هذا الركن من آسيا أو تلك البقعة من إفريقيا, لكن ها هي العولمة تود أن تصنع من العالم من الكرة الأرضية سوقا مفتوحة أمام أمريكا والغرب بشكل عام, منتوجاته وسلعه وثقافته وأساليب حياته ومنظومات القيم والأعراف والتقاليد التي يعتمدها. زراعة البطاطا وحرب الشيشان نعود إلى وثيقة الأمن القومي الروسي, وقد خاض بها الكرملين حرب الشيشان الراهنة لنلاحظ أنها حضت على زيادة الإنفاق العسكري في ضوء ما لاحظته من تدني مستوى الجيش الروسي وتدهور معنوياته . وربما جاءت معارك الشيشان فرصة سانحة لرفع هذه المعنويات وتحويل جنود روسيا من زراع البطاطا في ضواحي موسكو, بل ومن عازفين متجولين يتكففون الناس اعطوهم أو منعوهم في محطات مترو الانفاق إلى محاربين يمتطون الدبابات ويستمعون إلى حكايات انتصاراتهم رغم المبالغات من أجهزة الراديو والتلفاز .. ولك أن تسأل من أين أتى التمويل الملياري اللازم لهذا كله, ولك أن تتصور مصادر تمويل شتى بحجم القوى العديدة التي مازال من مصلحتها أن يظل تلاميذ وأزلام يلتسين في موقع السلطة الأولى بالكرميلن, قوى قد تكون من بينها مصالح أمريكية وصهيونية ومافيوزية (نسبة إلى عصابات المافيا) وغيرها. والنكتة أيضا أخيرا فالنكتة التي أشرنا إليها في مستهل هذا الحديث تصلح مؤشرا على نظرة الناس إلى احتمالات المستقبل في بلد كبير مثل روسيا, النكتة يرويها باحث جاد هو اندريس اسلوند وقد أوردها ضمن دراسته التي نشرها بعنوان (انهيار روسيا) ؟ في مجلة رصينة بدورها (الشئون الخارجية (فورين افيرز) عدد أكتوبر 1999). والنكتة تقول: هناك طريقان لتخليص روسيا من أزمتها الراهنة: أولا طريقة طبيعية والثانية عبارة عن معجزة.. أما الطريقة الطبيعية فهي أن يهبط إلى الأرض رهط الملائكة جميعا ويعملوا 12 ساعة يوميا مستخدمين قدرتهم من أجل انقاذ الاقتصاد الروسي. أما الطريقة التي تطوى على معجزة خارقة فهي أن يعمل الروس بأنفسهم على إخراج بلادهم من أزمتها. والمعنى أن لا أحد سوف يساعد روسيا من الخارج وإذا كان الأمر بحاجة إلى معجزة فهي على فرض حدوثها لن تتم سوى على يد الروس وليس غيرهم أو بكلمات الأستاذ أندريس اسلوند (على الروس أن يدركوا بيقين أن أيام الأموال السهلة قد انقضت وأن العالم الخارجي لن يمد إليهم يد المساعدة. وأن الخروج من أزمة الاقتصاد والمعيشة الخانقة تقتضي مزيدا من العمل الشاق والجهد المتواصل) . المعنى في بطن الباحث ونحسب أن ما لم يقله الباحث المذكور هو أن العمل الشاق هو العمل الشريف وهو الإنتاج وهو استثمار روح الشعب الروسي بكل تقاليده العريقة وثقافته الخصبة وتاريخه الطويل لانقاذ بلاده, وهو ما يختلف كل الاختلاف عن فساد السلطة والتربح من المناصب وبيع مقدرات الدولة ومؤسسات المجتمع في أسواق النخاسة الاقتصادية, واستغلال القرب بصلة الرحم أو بصلات الرشا والبرطيل من مواقع التأثير والنفوذ.. دع عنك التحالف مع عصابات المافيا والدورات في ربقة اقتصاد طفيلي ينزح ثروة البلاد إلى مصارف سويسرا والولايات المتحدة, فما بالك إذا أضيف إلى هذا كله شن حرب قذرة يراد بها كسب انتصارات رخيصة صغيرة وبيعها من ثم إلى جماهير الناخبين على أنها أمجاد وطنية وما أبخس ثمن المجد حين يقوم على مواجهة غير متكافئة بين جيوش دولة كانت عظمى بالأمس القريب وبين مقاتلين مسلمين يخوضون الحرب وسط قسوة الشتاء من أجل كرامة شعب واستقلال وطن.